قصة صموئيل فينلي بريز مورس

قصة صموئيل فينلي بريز مورس

قصص عالمية

توفّيت زوجة صموئيل مورس بشكلٍ فُجائيّ عام 1825 في نيو هايفن- كونيتيكت، خلال ساعةٍ من وجود مورس نفسه بعيداً عن البيت في واشنطن، حيث كان يرسم البورتريهات لتحصيل لقمة العيش.. مرّت أربعة أيامٍ كاملة قبل أن يصل البلاغ إلى مورس..

في أيّامنا، ومع إمكانيّة الاتصال الفوريّ من كلّ مكانٍ وإلى كلّ مكانٍ في "القرية العالميّة"، تُعتبر القدرة على الانفصال، بالذات، شكلاً من أشكال الرفاه. فهي لا تحدث إلا إذا قرّر الشخص، عن قصد، "أن ينسى العالَم لوقتٍ ما". وحتّى عندما نهرب إلى كوخٍ منعزلٍ في الجبال، فإنّ معظمنا يأخذ معه جهاز الهاتف الخلويّ، "في حال حدث شيء".

جاء البرابرة..

افتتنَ الناس بفكرة الاتصال السريع والبعيد منذ فجر البشريّة..
في فترة اليونان، كان هناك عدّاؤون لتوصيل خبر بشارة الفوز أو بلاغ بوصول الجيش المتقدِّم (كان فيديبيدِس الرسولَ الشهير الذي ركضَ من مراثون إلى أثينا مسافة 42 كم ليبشّر أهلها بانتصار اليونان، وهي المسافة التي تمّ تحديدُها منذ ذلك الحين لتكون المسافة المُعتمَدة في كلّ سباقات المراثون).
ولكنّ سُرعة العدّائين والمسافة التي كانوا يستطيعون قطعها كانت محدودةً بالطبع (وبهذه الطريقة، كان هناك خطرٌ جديٍّ في الركض نفسه، فبشكلٍ عامّ كان يتمّ إعدام الشخص الذي يوصِل خبراً سيئاً!)، حسّنت الخيول الأمر.
من أشهر الحوادث كانت رحلة الركوب التي خاضَها بول ريفيرRevere منتصفَ الليل، في الأيام الأولى من الثورة الأمريكيّة (1775). خلَّدَ الشاعرُ هنري لونغفيلو Longfellow رحلة البطولة هذه في إحدى قصائده. كان ريفير، الرسول الراكب على الحصان، قد أوصل إلى ليكسنغتون أخباراً عن الجيوش البريطانيّة التي تقترب من ناحية بوسطن.


كانت الوسيلة الأولى للاتصال البعيد، كما يبدو، هي الشعلة – مِشعَلٌ كانوا يُشعلونه على رؤوس الجبال. رغم أنّ هذه الوسيلة كانت سريعة، فإنّ حجم المعلومات التي كانت تنقلها كان محدوداً جدّاً!
حسّنَ الهنود الأمريكيّون وسيلة الاتصال هذه بعض الشيء: اخترعوا شفرةً رموزٍ من دخان. ولكن، ما إنْ بدأت التكنولوجيا الحديثة بالتأثير على حياة البشر، أواخرَ القرن الثامن عشر، طرحت الاختراعات مجموعة أفكارٍ للاتصال عن بُعد. وكانت تلك أفكاراً ترتكزُ، في الأساس، على الكهرباء، التي كانت تكمن فائدتُها في كونها قادرةً على الانتقال إلى مسافاتٍ بعيدةٍ بسُرعة.

تلغراف كرة الزغب

كان على هؤلاء المخترعين الأوائل التعامل مع ثلاث مشكلات:
الأولى كانت كيفيّة إيجاد مصدرٍ موثوقٍ وثابتٍ للكهرباء، حُلَّت هذه المشكلة عام 1800 مع اختراع البطّاريّة ("بطاريّة فولطا").
أمّا المشكلة الثانية فكانت كيفيّة معرفة متى تصل الكهرباء إلى أقصى درجات الاستقبال، الأمر الوحيد الذي كان معروفاً عن الكهرباء أواخرَ القرن التاسع عشر كان التجاذب المتبادل بين الأغراض المشحونة. بما أنّ الطاقة كانت قليلةً جدّاً، فقد اعتاد الناس على إجراء هذا التمييز بمساعدة كراتٍ خفيفة جدّاً، مصنوعة من زغب الطيور، كانوا يعلّقونها بخيطان. عندها كانوا يشحنونها بكهرباء ثابتة، كانت الكرات تنجذب بعضها إلى بعض.
كان لـ"التلغراف" الأولّ 26 كابلاً - كابلٌ واحد لكلّ حرفٍ من حروف الأبجديّة الإنجليزيّة. كان كلّ كابلٍ موصولاً بكرتي زغب، حتّى أنّ المُرسِل كان يستطيع أن يبثّ سلسلةً من الأحرف.

ولكن، عام 1813، اكتشف أورستِد Oersted أنّ التيّار الكهربائيّ يؤثّر بطاقته على مغناطيسٍ قريب.
وعام 1825، اخترع وليم سترَجون Sturgeon المغناطيس الكهربائيّ (وهو الذي أطلق عليه الاسم) الذي تدفق فيه تيّار كهربائيّ في داخل سِلكٍ يؤدي إلى انجذاب قضيب حديدي إليه، حلّ هذا الاكتشاف مُشكلة تمييز وصول البث، نظراً لأن وصول التيّار الكهربائيّ بات يستطيع الآن أن يجعل جرساً يرنّ، أو أن يحرّك قلمَ حبرٍ رسمَ علامةً على ورقة.

صموئيل مورس على الخشبة

وهنا يدخل صموئيل مورس إلى الصورة..
كان مورس رسّامَ بورتريهات يُحصّل لقمة عيشه بصعوبةٍ، خلال سنوات الثلاثين من القرن التاسع عشر، في العمل على رسم بورتريهات أشخاص مشهورين مقابل 15 دولاراً لكلّ لوحة.
عام 1835، أثارت فضولَه محادثةٌ عشوائيّة عن إرسال الإشارات عن بُعد، وبدأ يهتمّ بإمكانيّة كسب المال بطريقةٍ أخرى: اختراع تلغرافٍ كهربائيّ.
حتى عام 1837، نجحَ مورس في عرض النموذج الأول الذي يعمل وهو جهازٌ خَشنُ المظهر، بطيءٌ وغير عمليّ، شفَّرَ الأحرف بمساعدة إشاراتٍ كهربائيّة. حالفه الحظّ، حيث حضرَ عرضَ مورس الأوّل، بالصدفة، رجلٌ باسم ألفريد فايل Vail، وسُحِرَ بـ"الماكينة الرائعة".
كان من حسن الحظّ أنّ عائلة فايل كانت تملك موارد ماليّة (وهو شخصيّاً لم يكن لديه مثل هذه الموارد)، ولعلّ ما كان أكثر أهميّة هو أنّ فايل كان ميكانيكيّاً موهوباً.

فايل و مورس

تطرّق قاموس كامبردج للعلماء إلى "المساعدة الماليّة"، فقط، التي منحها فايل لمورس. هذا تشويهٌ خطيرٌ للحقائق التاريخيّة. حقيقة الأمر هي أنّ فايل قام بمعظم عمليّة التطوير المهمة في الفكرة، ولكنّه لم يحصل سوى على اعترافٍ بسيط حيث سجّل التاريخ أنّ مورس هو مخترع التلغراف.
كان من الأصحّ عزوُ الإنجازِ إلى مورس وفايل، وربما إلى فايل ثمّ مورس، ولكنّ مورس استغلّ ثقة فايل وشخصيّته الخجولة ليدفعه، في كلّ فرصةٍ تواتيه، خارجَ الصورة.
نجح مورس بالفعل في إدخال التلغراف الخاصّ "به" إلى الأماكن الهامّة، ونجحَ، عام 1843 في إقناع مجلس الشيوخ الأمريكيّ بطلب مدّ خطّ تلغرافٍ بين بولتيمور وواشنطن، بُنيَ الخطّ بنجاحٍ، وعام 1844، وأثناء حفل تدشين الخط، تم تمريرُ البلاغ: "ما فعلَ الله" What God hath wrought (سِفر العدد 23:23).
منذ هذه اللحظة وما تلاها، تطوّر التلغراف من حسنٍ إلى أحسن، سواء في أوروبا أو الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وأصبح مورس ثريّاً ومشهوراً، بينما بقيَ فايل في الظلّ.

ليس من الواضح، أيضاً، مدى مساهمة فايل في حلّ المشكلة الثالثة التي واجهت مُخترعي التلغراف، وهي مشكلة التشفير: كيف نستخدم كابلاً واحداً، وليس 26 كابلاً مختلفاً، للإرسال، وكيف نُشفِّر الرسائل كسلاسل قصيرةٍ من الإشارات الكهربائيّة.
حصل مورس على اعترافٍ تاريخيّ بصفته مخترع شفرةٍ عمليّة، وفي الواقع، كان ذلك هو الاختراع الذي خلّد اسمه إلى الأبد، تمنحُ الشفرة لكلّ حرفٍ من حروف الأبجديّة الإنجليزيّة سلسلةً مميّزةً من الإشارات القصيرة والطويلة، يمكن تسجيل الإشارات على ورقة، ويستطيع مُشغِّلٌ متمكِّن من سماع الإشارات وتفسيرها، ببساطة.
استُخدمَت شفرة مورس في مراسلات التلغراف عبر الأسلاك، لتصبح لاحقاً لا-سلكيّة بشكلٍ تدريجيّ على مدار 150 سنة. أصبحت الإشارة الدوليّة التي تُشير إلى مشكلة (في السفن، البحار والطائرات)، وحتّى إلى ما قبل سنواتٍ هي S.O.S، التي كانت تُرسَلُ كثلاث نقاط، ثلاثة خطوط، ثلاث نقاط • • • - - - • • •
قبل عدّة سنوات تم إلغاء هذه الإشارة بشكلٍ رسميّ.

ثَورثان

كان للتلغراف تأثيرٌ ثوريٌّ على الحياة في الفترة الفكتوريانيّة، سواء من الناحية الثقافيّة أو من الناحية الفِكريّة. ربما يمكن مقارنه هذا التأثير بالتغييرات التي تقلبُ عالمنا اليوم مثل "القرية العالميّة". وقد كان صموئيل مورس، بحقٍّ أو من غير حقّ، الاسم الأكثر ارتباطاً بثورة الاتصالات الفكتوريانيّة.

Telegram