قصة فرانسيس هاري كمبتون كريك

قصة فرانسيس هاري كمبتون كريك

قصص عالمية

ليس هناك من يُنكر حقيقةَ تأثير العِلم على الحياة وعلى الحضارة المعاصرة..
أحدثت نتاجات العِلم – الاكتشافات، الرصد والأفكار العِلميّة – ثورةً في نظرتنا إلى الحياة والكون.
أحدثت نتاجات العِلم، كذلك، ومن خلال التكنولوجيا، تغييراً في حياتنا اليوميّة.
إنّ العمليّة المنطقيّة التي ينطوي عليها العِلم، طريقة البحث العِلميّ، والطريقة التي بسحبها نختار، نُحدّد ونحلّ مسائلَ علميّة، أثّرت بشكلٍ كبيرٍ على طريقة تفكيرنا.
بالطبع، هناك أشخاصٌ كثيرون كانوا يتمنّون لو أنّ الأمور كانت على نحوٍ مغاير. فها هم يأسفون على الاختزاليّة (محاولة تفسير كلّ شيء بمفاهيم العمليّات الفيزيائيّة الأساسيّة) والماديّة (الاعتقاد بأنّ كلّ شيء، بما في ذلك السلوك البشريّ، تُحدّده قوانين الفيزياء).
العلمُ "فرض نفسَه" على العالم.

فرانسيس كريك يقع في صلب هذا الخِلاف، من جهةٍ، كان لاكتشافه عام 1953 (مع جيمس واطسون، موريس ويلكينس وروزالين فرانكلين) حول بنية الـDNA، الجزيء الذي يحمل المعلومات الوراثية، تأثيرٌ هائلٌ على العِلم، حيث وفّر له ذلك منبراً لنشر أقواله وأفكاره علانيّةً.
ومن جهةٍ ثانية، يُعتبر الإجراء الذي توصّل كريك وزملاؤه بواسطته إلى اكتشافهم، واحداً من أكثر الإجراءات المُوثَّقة في تاريخ العِلم؛ إذ تمّ توثيق وتحليل الإجراء الذي اعتمدَه سواء على يد الأبطال الروّاد أنفسهم أو على يدِ مؤرِّخين معتمدين.
لذا، عندما يُصرّح كريك بأنّه اختزاليٌّ وماديٌّ معتمَد، فإنّ الناس يستمعون إلى أقواله على الأقلّ: "أفراحُنا وأتراحُنا، ذكرياتُنا وطموحاتُنا، إحساسُنا بهويّتنا الشخصيّة وإرادتنا الحُرّة، كلّ ذلك ليس سوى سلوكيّات لمجموعةٍ ضخمةٍ من الخلايا العصبية والجزيئات التي تُركّبُها".

يحتوي توجّه كريك في المسألة الجينيّة على جانبيْن بارزيْن يتمتّعان بأهميّةٍ كبيرةٍ، ويجب على كلّ

مُفكّرٍ جديٍّ أن يستخلص منهما العِبَر:
الجانب الأول: اختيار مسألةٍ للعمل عليها، مسألةٍ مُسليّة وأساسيّة: مِمَّ تتركّب الجينات وكيفَ تعمل؟
كانت هذه مسألةً مثيرةً للاهتمام بلا شكّ، لكن، في ذلك الوقت، اعتُبرَت هذه المسألة صعبة للغاية، وتمّت مواجهتها – فعليّاً، قبل عهد كريك، كان كريك يتمتّع بالجُرأة الكافية على المحاولة.
كان العامل الثاني في نجاح كريك هو فهمُه أنّ المسألة متعدّدة المجالات، والاستعداد لتعلّم ما لم يكن يعلم؛ والإثراءُ المتبادَل في عمله مع آخرين – خصوصاً مع واطسون- الذين أكملت معرفتهم ومؤهّلاتهم تلك الموجودة لديه.

في السنوات الأخيرة، قرّر كريك مواجهة الأسئلة الأكثر صعوبةً وإثارةً للاهتمام في البيولوجيا، وربّما، أيضاً، في العِلم كلِّه: كيف يعمل الدماغ؟ وخصوصاً، ما هو الوعي؟ كانت هذه الأسئلة تُعتبر، أيضاً، من جانب مُعظمِ العُلماء أسئلةً أعمقَ ممّا ينبغي بحيث لم يكن في الإمكان بحثُها في هذه المرحلة، ولكنّ كريك تذكّر أنّ العُلماء شعَروا بالشيء نفسه تجاه بنية الجينات والآليّات الجينيّة عندما بدأ العملُ عليها.
لم يُحدث كريك ثوراتٍ في هذه المجال، ولكنّه نجح في إبراز موضوع الوعي ووضعه على الأجندة العلميّة اليوميّة.

لقد قاده خيالُه، أيضاً، إلى مناطق أكثر جموحاً.. إنّ نظريّته حول دور الحُلم كآليّة لتصنيف الذكريات لا تبعث على التهديد كثيراً، ولكنّ فِكرة أنّ الحياة على وجه الأرض كانت قد زُرِعَت بواسطة ميكروبات أُرسِلَت إلى الكرة الأرضيّة من الفضاء الخارجيّ بصواريخ بلا طيّار من قبَل حضاراتٍ أرقى، لم تحظ بحماسٍ كبيرٍ في الأقسام العلميّة.

ولكنّ شهرة كريك الكبرى جاءت من عمله على الـDNA. نبعَ من بحثه هذا مجالٌ عِلميٌّ جديد – البيولوجيا الجزيئيّة. نتيجةَ ذلك، لدينا اليومَ خياراتٌ جديدة هيَ بمثابةٍ زلزالٍ أرضيّ (وزلزالٍ أخلاقيّ) – الهندسة الجينيّة، الطبّ الجينيّ – وأسئلةٌ عميقة حول العلاقة بين السلوك وعِلم الجينات.
إذا كانت للجينات التي لديّ ميولٌ عدائيّة متأصِّلة، فكيف يمكن إلقاءُ اللوم في ذلك عليّ؟ بدأت المحاكمُ تتطرّق إلى ضرورة التعامل مع مسائل من هذا النوع، مع أنّها ليست سوى مسألة "إرادةٍ حُرّة"، في الأساس..
سيقول فرانسيس كريك، بالطبع، إنّ الإرادة الحُرّة هي نوعٌ من الوهم. ما رأيكم؟

Telegram