قصة صحراء الربع الخالي

قصة صحراء الربع الخالي

قصص عالمية

صحراء الربع الخالي (Rub al-Khali Desert) هي أكبر صحراء رملية في العالم (1)، تقع في الجزء الجنوبي الغربي من شبه الجزيرة العربية وتغطي مساحة 650000 كم مربع أي ما يعادل مساحة فرنسا وبلجيكا وهولندا مجتمعة، وتتقاسم رقعة هذه الصحراء أربعة دول هي المملكة العربية السعودية التي يقع القسم الأكبر من الصحراء داخل حدودها، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، والجمهورية اليمنية.

وقد سميت هذه الصحراء بالربع الخالي لخلوها من الحياة تقريباً، فهي من أكثر بقاع الأرض قسوة من حيث الظروف المناخية، إذ تبلغ درجة الحرارة في الصيف أكثر من 55 درجة مئوية وتغطيها كثبان رملية يصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من 200 متر.
الشكل الوحيد للحياة في هذه الصحراء يتمثل في بعض النباتات والعناكب والطيور والقوارض الصغيرة، أما بالنسبة للإنسان فلا توجد سوى بعض القبائل البدوية التي تعيش على أطراف الصحراء وتتحاشى التوغل داخلها.

ظلت أرجاء هذه الصحراء مجهولة لقرون طويلة تدور حولها الأساطير والخرافات ولا يجرؤ أحد على اقتحام بواباتها الجهنمية.. لكن في عام 1932 قام الانكليزي "برترام توماس" بأول رحلة موثقة لعبور الصحراء قام خلالها باكتشاف بعض أرجائها ودراسة نباتاتها والمخلوقات الصغيرة التي تعيش فيها. وخلال هذه الرحلة سمع "توماس" لأول مرة بقصة "عبار"، المدينة الضائعة أثناء ضيافته في خيم البدو الساكنين في أطراف الصحراء، ومع أن "برترام" ذكر هذه القصة في كتابه حول الصحراء إلا أنه على الأرجح لم يأخذها على محمل الجد.



لكن هذه القصة أثارت الحماسة والطمع في نفس رجل إنكليزي آخر هو عميل المخابرات البريطانية "جون فليبي" الذي قام بعدة رحلات استكشافية للبحث عن "عبار"

منذ عام 1932، ولسوء حظ "فلبي" أو "الشيخ عبد الله" كما كان يطلق على نفسه فإنه لم يجد أي أثر للمدينة الضائعة، لكنه عوضاً عن ذلك اكتشف أمراً مهماً..
فبين الكثبان الرملية شاهد آثار طبقات جيرية بيضاء بدت كما لو أنها ترسبات مسطحات مائية قديمة واكتشف بقايا عظمية لحيوانات من بينها أسنان لحيوان فرس النهر وهو أمر أثار استغرابه، فماذا تفعل أفراس النهر التي تعيش في المياه وقربها في صحراء الربع الخالي القاحلة؟!
لم يكن لهذا السؤال المحير سوى جواب واحد، وهو أن هذه الطبقات الجيرية البيضاء ما هي إلا بقايا لبحيرات مائية كانت موجودة في الصحراء في عصور سحيقة القدم، وقد أكد هذا الاستنتاج الكثير من العلماء والجيولوجيين الذين درسوا المنطقة خلال العقود التالية، كما أن اكتشاف كميات هائلة من النفط وسط الصحراء دعمت هذه الفرضية، فالنفط يتكون من بقايا المواد العضوية المدفونة تحت الأرض وهذا يؤكد غنى صحراء الربع الخالي بالحياة النباتية والحيوانية في العصور القديمة.

أحدث النظريات حول تاريخ الربع الخالي تؤكد أن المنطقة مرت بفترتين تميزتا بدرجات حرارة معتدلة وتزايد نسبة هطول الأمطار، مما أدى إلى ازدهار الحياة النباتية والحيوانية.
الفترة الأولى استمرت من 37000 الى 17000 ألف سنة ماضية والفترة الثانية استمرت من 10000 الى 5000 سنة ماضية، أي أن الجفاف الكبير حدث في حدود عام 3000 قبل الميلاد.
ولو صدقت هذه النظرية فإنها ستحل لغزاً تاريخياً كبيراً حول هجرة الأقوام السامية، فمع بداية الألف الثالث قبل الميلاد حدثت هجرة بشرية كبيرة من الجزيرة العربية تمثلت في الأقوام الآكدية والآمورية التي توجهت شمالاً نحو سوريا و العراق.

ونحن هنا لسنا بصدد مناقشة الأحداث التاريخية التي صاحبت هذه الهجرات لكن ما يهمنا في الموضوع هو التساؤل عن السبب الذي دفع إلى هجرة كل هذه الجموع البشرية الضخمة فجأة وفي وقت واحد..
والجواب يكمن بدون شك في الطقس والمناخ الذي تبدل بشكل كبير منذ خمسة ألاف سنة، فتحولت الأراضي الخضراء التي كانت أشبه ما تكون بغابات الهند المطرية والتي كانت تغطي أرض الجزيرة العربية إلى صحاري قاحلة اضطرت بسببها نسبة كبيرة من السكان للهجرة نحو الشمال، وربما لم يتبقى من حياتهم في شبه الجزيرة العربية سوى ذكريات تداولها العرب على شكل قصص حول القبائل العربية المنقرضة أو ما يعرف بالعرب البائدة
(العرب البائدة هم أقوام و قبائل قديمة اندثرت وانقرضت بعد أن كانت تشكل السكان الأصليين للجزيرة العربية، ومن أشهر هذه الشعوب الذي ذكرها النسابون والمؤرخون العرب هم عاد وثمود والعماليق وجرهم وطسم وجديس وأميم وعبيل ووبار، و قد انقرضت جميعها قبل الإسلام بزمن طويل ومن نسل امرأة من جرهم تزوجها النبي إسماعيل (سرياني) ولد عدنان الذي تنتسب إليه أغلب قبائل العرب وشعوبها اليوم: "العرب المستعربة".)





ومهما حاول علماء التاريخ الغربيين التدليس حول أصل الأقوام السامية إلا أن الفرضية المنطقية الوحيدة هي أنهم هاجروا من جنوب الجزيرة العربية، فلا يعقل أن يكونوا قد أتوا من مصر عبر سيناء: فالفراعنة كانوا حاميين ولم يكونوا ساميين (2)، ولا يعقل أن يكونوا قد أتوا من جهة الشرق أو الشمال، أي إيران وتركيا، فهذه المناطق كانت تسكنها قبائل وشعوب هندو – أوربية، ولا يبقى إلا خيار الجنوب.
وإحدى أشهر القبائل العربية المنقرضة هي عاد والتي ذكرها القرآن الكريم :
"فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ {15} فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُم عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ {16}" سورة فصلت

كانت مساكن عاد في الجهة الجنوبية من الربع الخالي، أي شمال حضرموت، وقد كانوا في غنى وثراء فاحش، وهذه ليست أسطورة، فالثروة لم تهبط عليهم من السماء ولكن بسبب تحكمهم بتجارة اللبان العربي (العلكة) التي كانوا يصدرونها إلى الشام ومصر عبر طرق تجارية كانت تمر في صحراء الربع الخالي.
وكانت لهم عدة مدن كبيرة ربما تكون أشهرها هي "عبار" أو "إرم ذات العماد" (ذات الألف عمود)، وقد ورد ذكرها في الكتابات التاريخية القديمة في اليمن وبعض الكتب القديمة للمؤرخين الإغريق وهو ما يؤكد صحة وجودها، وقد اختفى قوم عاد من على وجه السطيحة فجأة في حوالي القرن الرابع قبل الميلاد، واختفت مدنهم المزدهرة معهم ولم يتبقى منهم سوى قصص أسطورية تناقلتها الألسن اعتبرها علماء التاريخ مجرد خرافات لا أساس من الصحة لها.

لكن ما حدث في ثمانينيات القرن المنصرم جعل هذه الخرافات تتحول إلى حقيقة ماثلة للعيان، فقد رصدت الأقمار الصناعية طرق القوافل القديمة التي كانت تمر عبر الربع الخالي باتجاه الشمال، وعندما تتبع العلماء مسير هذا الطريق المؤدي من الجنوب إلى سلطنة عمان، وصلوا إلى واحة صغيرة و بالقرب منها شاهدوا بقايا حصن قديم.
في البداية ظنوا أن الحصن حديث البناء يعود إلى عدة قرون خلت، لكن عندما بدءوا ينقبون في الموقع أخذوا يكتشفون أواني وجرار فخارية إغريقية ورومانية وفرعونية تعود لآلاف السنين، وبدأت تنتابهم الحيرة، هل اكتشفوا "عبار" المدينة الضائعة ؟
كانت جدران الحصن سميكة وبارتفاع ثلاثة أمتار مع ثمانية أبراج ضخمة للمراقبة، ويبدو أن الحصن أو المدينة الصغيرة لاقت نهاية مأساوية في زمن ما بعد ميلاد المسيح بقرن أو قرنين، لقد خسفت الأرض بها، إذ يبدو أنها بنيت فوق طبقة صخرية كلسيه تغطي تحتها كهف مائي ضخم كان السكان والقوافل تستعمل مياهه للشرب.
لكن حدث أن جف أو قل منسوب المياه في هذا الخزان المائي الطبيعي مما أدى إلى أن تخسف الأرض بالحصن على حين غرة، ورغم أهمية هذا الاكتشاف إلا أن أغلب العلماء اليوم لا يعتقدون بأن هذا الحصن هو بقايا مدينة "عبار" أو "إرم ذات العماد"، بل يذهبون إلى أنه كان مجرد استراحة للقوافل أثناء مرورها بالصحراء، وأن أرض شعب عاد كانت تحتوي على العديد من الحصون والمدن، شأنها في ذلك شأن جميع الحضارات العظيمة، وأن أغلب هذه المدن العظيمة لازالت قابعة تحت أطنان من رمال الصحراء بانتظار من ينتشلها من هناك..
ولا يعلم سوى الله ما تخبئه من كنوز وأسرار..
(ينبغي التنويه أن المملكة العربية السعودية نظمت عدة رحلات استكشافية للصحراء في السنوات الأخيرة وقد تم اكتشاف أنواع جديدة من النباتات والطيور خلالها.).

----------
(1) هل تعلم عزيزي القارئ أن أكبر صحارى العالم هي القطب المتجمد الجنوبي!! لا تتعجب، فلا يشترط في الصحراء أن تكون حارة لكنها يجب أن تكون مقفرة وليس للقطب الجنوبي منافس في هذا المجال، أما أكبر الصحارى الحارة فهي الصحراء الكبرى في شمال أفريقيا، ولكن صحراء الربع الخالي هي الأكبر من حيث حجم الرمال الموجودة فيها.

(2) حول أصل الفراعنة أو المصريين القدماء هناك لغط وجدل تاريخي مستمر منذ فترة طويلة وهو ليس محل للبحث في هذه العجالة، لكن للتوضيح ينبغي أن نذكر أن الفراعنة والأمازيغ (البربر) هم من الجنس الأبيض، أي أنهم ليسوا أفارقة لذلك فالرأي الغالب هو أنهم يرجعون في أصولهم إلى هجرات قديمة دخلت إلى مصر عبر سيناء قبل أكثر من عشرة ألاف سنة، مع التأكيد مرة أخرى بأن هذا الرأي ليس قاطعا ولا مؤكدا وأن الهجرات والغزوات المستمرة من قبل أمم وشعوب مختلفة احتلت مصر على مر العصور قد أثرت على تركيبتها السكانية بشدة حالها في ذلك حال العراق والشام وشمال أفريقيا.

Telegram