رواية 1984 لجورج أورويل : القسم التاسع

رواية 1984 لجورج أورويل : القسم التاسع

رواية 1984 لجورج أورويل كاملة

لم یكن باستطاعته أن یتذكر ما الذي حصل، لكنه عرف في حلمه بطریقة ما أن أمه وشقیقته قدمتا حیاتیهما فداء لحیاته هو. لقد كان حلماً من تلك الأحلام التي، رغم محافظتها على المشهد الممیز لأجواء الأحلام، تبقى امتداداً لحیاة الإنسان الفكریة، والتي یصبح المرء فیها على وعي بالحقائق والأفكار التي تبقى محفورة في ذاكرته حتى بعد أن یستیقظ.
وما خطر لونستون هو أن موت أمه، منذ ثلاثین سنة تقریباً، كان مأساة محزنة بشكل لم یعد موجوداً. فالمأساة، كما یفهمها، باتت شیئاً یخص العالم القدیم، وینتمي لزمان كان ما یزال فیه خصوصیة وصداقة وحب، لزمان كان ما یزال أفراد العائلة
الواحدة یقفون فیه جنباً إلى جنب دونما حاجة إلى معرفة السبب. كانت ذكرى وفاة أمه تمزق قلبه، فقد كانت تحبه، وماتت وهي تحبّه، فیما كان هو صغیراً وأنانیاً أعجز من أن یبادلها حباً بحب.
ولسبب لا یعرفه لم یكن یتذكر كیف ضحت بنفسها في سبیل مفهوم من الولاء كان خاصاً بها وغیر قابل لأن یتحول أو یتزعزع. ورأى أن أشیاء كهذه لا یمكن أن تحدث في هذه الأیام التي باتت زماناً للخوف والكراهیة والألم، ولا مكان فیها للعواطف السامیة أو للأحزان العمیقة أو المعقدة المتشابكة.
كل هذا بدا له أنه یراه في عیون أمه وأخته الواسعة عندما كانتا تتطلعان إلیه عبر المیاه الخضراء، وعلى بعد مئات الفراسخ في الأعماق، وهما تغرقان لأسفل وتغرقان. وفجأة رأى نفسه واقفاً على أرض یكسوها عشب ربیعي في نهایة نهار صیفي حیث أشعة الشمس المائلة للغروب تذهب الأرض. إنه المشهد نفسه الذي یتكرر مراراً في أحلامه حتى بات یشك فیما إذا
كان قد رأى ذلك في الیقظة

أم في المنام. في أوقات الیقظة كان یسمي هذا المشهد:
الریف الذهبي. إنه مرعى قدیم كانت ترعى فیه الأرانب، ویجتازه متلویاً ممر ضیق وحفر خْلٍد هنا وهناك. أما على السیاج في الجانب المقابل من الحقل فقد كانت أغصان شجر الدردار تتمایل على نحو خفیف مع النسیم بینما تحف أوراقها متحركة بكتلها الكثیفة مثل شعر النساء. وعلى مقربة ینساب جدول صاف ورقراق حیث تسبح الأسماك في برك تحت أشجار الدردار.
وعبر الحقل، كانت الفتاة ذات الشعر الأسود تسیر نحوه. وبحركة واحدة نزعت ثیابها ورمتها جانباً دون اكتراث. كان جسدها ناعماً وبشرتها بیضاء، لكن ذلك لم یثر فیه أدنى رغبة، بل إنه بالكاد تطلع إلیها. لكن الذي استهواه من ذلك كله هو تلك الحركة التي نزعت بها ثیابها وطرحت بها أرضاً. فبرشاقتها وعدم مبالاتها بدا كأنها تقوض ثقافة كاملة وتنقض نظاماً فكریاً بكلیته، كما لو أن الأخ الكبیر والحزب وشرطة الفكر یمكن أن تذهب أدراج الریاح بحركة بارعة كحركة ذراعها. لقد كانت هذه الحركة أیضاً من بقایا الزمن القدیم. واستیقط ونستون وكلمة شكسبیر على شفتیه.
كانت شاشة الرصد ترسل صفیراً یصم الآذان استمر على وتیرة واحدة لثلاثین ثانیة. وكانت الساعة تدق السابعة والربع وهو وقت استیقاظ العاملین بالمكاتب. قفز ونستون من فراشه عاریاً، إذ كان العضو العادي بالحزب لا یتسلم إلا ثلاثة آلاف قسیمة ملابس سنویاً، وكانت البیجامة تكلف وحدها ستمائة، لبس على عجل بعض الملابس الداخلیة المتسخة وسروالاً كان معلقاً على كرسي.

كانت فترة التمارین الریاضیة ستبدأ في غضون ثلاث دقائق. وفي اللحظة التالیة تملكته نوبة سعال عنیفة، كانت تنتابه تقریباً بعد استیقاظه، أجهدت رئتیه بشدة حتى أنه لم یكن یستطیع التنفس إذ ذاك إلا بعد أن یستلقي على ظهره ویشهق عدة شهقات عمیقة.
انتفخت عروقه من أثر السعال كما بدأت الدوالي تؤلمه. ثم تعالى صوت أنثوي قوي لامرأة تزعق: «المجموعات من ثلاثین إلى أربعین! رجاء، خذوا أماكنكم! من ثلاثین إلى أربعین!».
قفز ونستون متخذاً وضعیة الاستعداد أمام الشاشة. ظهرت امرأة شابة نحیفة لكنها مفتولة العضلات ترتدي بدلة وحذاء ریاضیاً، ثم صرخت:
« مع ثني الذراعین ومدهما، تابعوا معي، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، هیا أیها الرفاق، لتكن حركاتكم
أكثر حیویة. واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة! واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة «...

لم یصرف ألم السعال ذهن ونستون عن الانشغال بما أثاره ذلك الحلم داخله. بل إن تلك الحركات المتناسقة من التمرین الریاضي قد أبقت على هذا التأثیر. فبینما كان یحرك بصورة آلیة ساعدیه إلى الأمام وإلى الوراء، إلى فوق وإلى تحت، متظاهراً بالانشراح،
وهو ما كان یعد أمراً ضروریاً أثناء التمارین الریاضیة، كان یحاول جاهداً استرجاع تلك الفترة التي یلفها من طفولته المبكرة،
ولو أن ذلك كان في غایة الصعوبة، فبعد الخمسین یتلاشى كل شيء من الذاكرة. وإذا لم یكن هنالك سجلات یمكنك الرجوع
إلیها، فإن خط حیاة الإنسان قد یمحى أثره من الذاكرة. قد تخطر على ذاكرته أحداث كبیرة من المحتمل ألا تكون قد وقعت، أو
تفاصیل أحداث دون أن تكون قادراً على استكناه الأجواء والظروف التي رافقتها. ومن الممكن أن تكون هناك فراغات زمنیة كبیرة لا یمكنك أن تملأها بأي أحداث. لقد تغیر كل شيء،
حتى أسماء البلدان ومساحاتها على الخرائط تغیّرت. فالقطاع الهوائي رقم واحد على سبیل المثال لم یكن هذا اسمه في تلك
الأیام، كان یسمى إنجلترا أو بریطانیا، أما لندن، حسبما كان یشعر، فقد كانت دوماً تسمى لندن. لا یذكر ونستون على وجه التحدید وقتاً لم تكن فیه بلاده في حالة حرب، ولكن كان من الثابت له أنه كان هنالك فترة طویلة من السلام قد خللت طفولته، لأن من ذكریات طفولته الأولى یذكر غارة جویة فاجأت الجمیع على حین غرة. ربما كان ذلك عندما ألقیت قنبلة ذریة على كولشیستر. وهو لا یذكر الغارة نفسها، لكنه یذكر ید والده وهي تقبض على یدیه بینما كانا یهرعان نازلین إلى مكان عمیق تحت الأرض على سلم حلزوني یرن تحت قدمیه، مما آلم ساقیه واضطره للتوقف وأخذ قسط من الراحة. فیما أمه بحركتها الهادئة الحالمة كانت في صف طویل وراءهما وهي تحمل أخته الصغیرة، أو لعل ما تحمله كان صرة من البطانیات.

فهو لیس متأكداً مما إذا كانت أخته قد ولدت أم لا. أخیراً وصلوا إلى مكان مزدحم یعج بالضجیج، وهو حسبما اعتقد، محطة قطار أنفاق.
كان هنالك أناس یجلسون على أرض مرصوفة بالحجارة، بینما آخرون یتزاحمون بشدة وهم یجلسون على مقاعد معدنیة الواحد فوق الأخر. استطاع ونستون وأمه وأبوه أن یجدوا لهم موطئاً. وبالقرب منهم كان رجل وامرأة طاعنان في السن یجلسان جنباً إلى جنب على مقعد. كان الرجل العجوز یلبس بذلة سوداء وقبعة من القماش الأسود تنحسر للوراء كاشفة عن شعر ناصع البیاض.

كان وجهه قرمزیاً وعیناه زرقاوین ومغرورقتین بالدموع، وتنبعث منه رائحة الخمر وكأنها تفوح من جسمه ولیس من الشراب. حتى كان المرء لیحسب أن الدموع التي تسیل من عینیه هي خمر صاف. ولكنه رغم كونه ثملاً قلیلاً، فإنه كان رازحاً تحت أحزان حقیقیة لا تحتمل. وبطریقتیه الطفولیة أدرك أن ثمة واقعة فظیعة، واقعة لا یمكن غفرانها أو علاجها، قد حدثت. وبدا له أیضاً أنه قد عرف السعب. شخص ما كان یحبه العجوز، ربما حفیدة صغیرة، قد قضت نحبها. وكان العجوز یتمتم من حین لآخر قائلاً: «كان یجب ألا نثق بهم، هذا ما قلته ألیس كذلك، هذا ما جنیناه من ثقتنا بهم، لقد كنت أقول ذلك دائماً، ما كان ینبغي لنا أن نثق بهؤلاء الأنذال».

لكن من هم هؤلاء الذین ما كان علیهم أن یثقوا بهم؟ أمر لم یعرفه ونستون. منذ ذلك الوقت كانت الحرب متواصلة، ولو أننا أردنا الدقة، فإنها لم تكن دائماً الحرب نفسها. فعلى مدى أشهر، أثناء طفولته، كان قتال عنیف یدور في شوارع لندن نفسها. وهو ما یزال یذكر بعضه بوضوح. ولكن التاریخ لا یأتي حتى على إشارة لتلك الفترة. من كان یحارب من وفي أي وقت؟ أمر كهذا مستحیل
طالما أنه لا سجل مكتوب أو كلمة مسجلة قد أتت على ذكر أي تحالفات غیر تلك القائمة في الوقت الراهن. ففي هذه اللحظة مثلاً في 1984 (إن كانت هذه اللحظة فعلا في 1984)، أوقیانیا في حرب مع أوراسیا، بینما تحالف إیستاسیا. لكن ما من بیان عام أو خاص اعترف یوماً بأن القوى الثلاث قد أقامت تحالفات مختلفة عما هو قائم الیوم. ولكن ونستون عرف جیداً، أنه منذ أربع سنوات فقط كانت أوقیانیا في حرب مع إیستاسیا ومتحالفة مع أوراسیا. كان ذلك مجرد إدراك مبهم لأن ذاكرته وأفكاره لم تكن تحت سیطرته بصورة كافیة.
فعلى المستوى الرسمي لم یحدث أي تغییر في التحالفات. فإذا كانت أوقیانیا في حرب مع أوراسیا، إذن فان أوقیانیا كانت دائماً في حرب مع أوراسیا. ذلك أن عدو اللحظة الراهنة یمثل الشر المطلق، وهذا ما یؤكد أن وفاقاً في الماضي أو المستقبل كان في حكم المستحیل.

كان الشيء المخیف الذي خطر له للمرة الألف، وهو یدفع بكتفیه إلى الوراء متألماً (بینما یداه على خاصرته ویتحرك حركة
استداریة من الوسط، وهي حركة یفترض أنها تقوي عضلات الظهر)، أجل الشيء المخیف هو أن یكون ما انتابه من مخاوف
صحیحاً! لو أن الحزب یستطیع أن یضرب یده في الماضي لیقول إن هذا الحدث أو ذاك لم یحدث أبداً. لو كان ذلك لكان أشد إفزاعاً من التعذیب أو الموت.

إن الحزب یقول إن أوقیانیا لم تدخل أبداً في تحالف مع أوراسیا، بینما ونستون سمیث یعرف أن أوقیانیا كانت في تحالف مع أوراسیا منذ وقت قریب، ولكن مثل هذه المعلومات أین یمكن أن نجدها. إنها فقط في ضمیره الذي لا یلبث أن یُسحق، وإذا قبل الناس الأكذوبة التي ألزمهم بها الحزب، وإذا كانت كل السجلات تحكي القصة نفسها، فان الأكذوبة تدخل التاریخ وتصبح حقیقة.

وأحد شعارات الحزب «من یسیطر على الماضي یسیطر على المستقبل، ومن یسیطر على الحاضر یسیطر على الماضي». لكن الماضي، الذي هو في طبیعته قابل لإعادة النظر، لم یحدث أبداً أن تغیر. فما هو صحیح الیوم كان صحیحاً منذ الأزل وسیبقى كذلك إلى الأبد. إن الأمر في منتهى البساطة، فكل المطلوب هو سلسلة لا تنتهي من الانتصارات على ذاكرتك «الاستحواذ على الحقیقة» أو كما یسمونها في اللغة الجدیدة «التفكیر الازدواجي».
«استرح» صرخت المدربة وهي تبتسم قلیلاً.
أرخى ونستون دراعیه وملأ رئتیه بالهواء ببطء، بینما كان عقله ینزلق في متاهات التفكیر الازدواجي .. أن تعرف وألا تعرف، أن تعي الحقیقة كاملة، ومع ذلك لا تفتأ تقص الأكاذیب محكمة البناء، أن تؤمن برأیین في آن وأنت تعرف أنهما لا یجتمعان ومع ذلك تصدق بهما. أن تجهض المنطق بالمنطق، أن ترفض الالتزام بالأخلاق فیما أنت واحد من الداعین إلیها. أن تعتقد أن الدیمقراطیة ضرب من المستحیل، وأن الحزب وصي علیها. أن تنسى كل ما یتعین علیك نسیانه، ثم تستحضره في الذاكرة حینما تمس الحاجة إلیه، ثم تنساه مرة ثانیة فوراً، وفوق كل ذلك أن تطبق الأسلوب نفسه على الحالتین. ذلك هو الدهاء الكامل، أن تفقد بعملیة التنویم الوعي عن عمد ووعي،

يتبع....

اذا لم تجد تكملة الرواية في الاسفل, اذهب للصفحة الرئيسية للموقع واستخدم البحث

Telegram