رواية 1984 لجورج أورويل : القسم السادس عشر


فهذا الرجل كان رساماً كاریكاتوریاً شهیراً في یوم من الأیام ألهبت رسومه الهزلیة القاسیة الرأي العام الشعبي قبل وأثناء الثورة. وحتى الآن، وعلى فترات متباعدة كانت صوره الهزلیة تظهر في جریدة التایمز، مجرد محاكاة لأسلوبه الأول ولكنها عدیمة الروح ولا تبعث على الإقناع. فهي دائماً بمثابة اجترار لموضوعات قدیمة وضعت في قوالب جدیدة، حیث یصور الأحیاء الفقیرة والأطفال یتضورون جوعاً، وشجار الشوارع، والرأسمالیین ذوي القبعات العالیة - حتى وهم في الشرفات كانوا یتعلقون بقبعاتهم الأنیقة - في محاولة بائسة لا تنتهي للعودة إلى الماضي. كان راذرفورد رجلاً ضخم الجثة ذا غرة من شعر دهني رمادي، ووجه منتفخ مجعد وشفتین سمیكتین مكتنزتین. ویبدو أنه كان في الماضي رجلاً قویاً جداً، أما الآن فجسده الكبیر یترهل وتهدل في كل اتجاه. كان یبدو أنه یتحطم كجبل یتداعى.
ولم یستطع ونستون أن یتذكر الآن كیف أتى إلى المقهى في مثل هذا الوقت إذ كانت الساعة السادسة مساء، وكان المكان شبه خاو وثمة موسیقى خفیفة تنساب من شاشة الرصد بینما جلس الرجال الثلاثة في زاویتهم صامتین وبلا حراك. ودون أن یطلبوا شیئاً من النادل، أحضر كؤوساً إضافیة من الخمر، وعلى المائدة المجاورة رقعة شطرنج صفت علیها القطع دون أن یبتدى أحد اللعب.

وبعدئذ وربما لنصف دقیقة من الزمن، طرأ تغیر ما على الشاشة إذ تغیر اللحن وتغیرت معه الموسیقى. كان شیئاً یصعب وصفه. كانت النغمة الجدیدة نغمة ناهقة متكسرة مزعجة، نغمة أسماها ونستون في عقله «نغمة صفراء»، وبعد ذلك صدح صوت من الشاشة بما یلي:
تحت شجرة الكستناء الوارفة
بعتك وبعتني
وها هم یرقدون هناك ونحن نرقد هنا
تحت شجرة الكستناء الوارفة
لم یحرك الرجال الثلاثة ساكناً. ولكن عندما تطلّع ونستون إلى وجه راذرفورد المحطم مرة ثانیة رأى عینیه وقد اغرقتا بالدموع. ولاحظ وللمرة الأولى، وقد استولت علیه رعشة داخلیة لم یعرف مبعثها، لاحظ أن كل من آرونسون وراذرفورد كان أنفه مكسوراً
وبعد ذلك بوقت قلیل ألقي القبض على ثلاثتهم من جدید، فقد ظهر أنهم كانوا قد انخرطوا في مؤامرات جدیدة بعدما أطلق سراحهم، واعترفوا أثناء محاكمتهم الثانیة بجمیع جرائمهم القدیمة مرة أخرى إضافة إلى سلسلة من الجرائم الجدیدة، ثم أعدموا وجرى تسجیل ما أنزل بهم من عقاب في تاریخیات الحزب لیكونوا عبرة للأجیال القادمة. وبعد خمس سنوات من ذلك التاریخ أي في عام 1973، كان ونستون یقلّب ملف مستندات، كان الأنبوب الهوائي قد قذف به إلیه، فعثر على قصاصة ورق كان من الواضح أنها انزلقت بین الأوراق الأخرى ثم نسیت. وما إن دقق فیها حتى أدرك أهمیتها. إنها نصف صفحة قطعت من جریدة (التایمز

الصادرة منذ عشر سنوات، نصف الصحیفة الأعلى ولذلك تضمن التاریخ، كما تضمن صورة لمندوبي الحزب في فرع نیویورك.

وكان یتوسط هذه المجموعة بشكل بارز هؤلاء الثلاثة. ولم یكن أحد لیخطئهم، فأسماؤهم كانت تظهر أسفل الصورة.
المهم في الموضوع هو اعترافهم أثناء محاكمتهم الأولى والثانیة بأنهم كانوا في ذلك التاریخ، تاریخ الجریدة، في أوراسیا. وأنهم

طاروا من مطار سري في كندا إلى موعد ضرب لهم في مكان ما من سیبیریا، وهناك التقوا أعضاء من القیادة العامة لأوراسیا، وأفضوا إلیهم بأسرار عسكریة هامة، وكان هذا التاریخ قد علق في ذاكرة ونستون لأنه كان یصادف عید منتصف الصیف ولا بد أن القصة كلها مسجلة في أماكن أخرى لا حصر لها أیضاً. وخلص ونستون من ذلك إلى نتیجة وحیدة مفادها أن الاعترافات كانت كاذبة وملفقة.
ومن الطبیعي أن ذلك لم یكن یعد في حد ذاته اكتشافاً. فحتى في ذلك الوقت، لم یكن ونستون یتخیل أن الناس الذین تطالهم حملات التطهیر قد ارتكبوا فعلاً ما یتهمون به من جرائم. ولكنه كان دلیلاً مادیاً، إنه قطعة من الماضي الذي تم محوه، مثل عظام الحفریات، تظهر في طبقة غیر طبقتها فتقوض نظریة جیولوجیة. إنه دلیلكان یكفي لإحالة الحزب إلى هشیم تذروه الریاح فیما لو تم عرضه أمام العالم وكشف مغزاه.

استمر ونستون في عمله عندما رأى الصورة وأدرك ما تعنیه، ثم غطاها بورقة أخرى. ولحسن الحظ كان اتجاه الصورة بعكس

شاشة الرصد حینما بسطها أمامه. تناول ونستون دفتر الكتابة ووضعه على ركبتیه ودفع بالكرسي إلى الوراء حتى یصبح بعیداً قدر المستطاع عن شاشة الرصد.

لم یكن من الصعب أن تجعل وجهك خالیاً من أي تعبیر، بل وحتى أنفاسك یمكن حبسها ببعض الجهد. لكن لم یكن بامكانك التحكم في ضربات قلبك التي كانت شاشة الرصد شدیدة الحساسیة إزائها وقادرة على التقاطها. انقضت عشر دقائق كان یتمنى انقضاءها،

یعذبه خلالها شعور بالخوف من أن ینكشف سره بفعل حادثة ما كنفخة هواء تهب على مقعده مثلاً. بعدئذ ودون أن یكشفها ثانیة قذف بها إلى مقبرة الذاكرة مع أوراق أخرى لا لزوم لها. في خلال دقیقة ستصبح رماداً.
كان ذلك منذ عشرة أعوام أو أحد عشر عاماً خلت، ولو أن ذلك حدث الیوم لكان من المحتمل أن یحتفط بتلك الصورة. والعجیب أن مجرد إمساكه بها بین أصابعه أثار فیه إحساساً مغایراً لما كان علیه من قبل، رغم أن الصورة نفسها، وكذلك الحادثة التي سجلتها، كانت مجرد ذكرى. وتساءل: «ترى هل أصبحت عندي قبضة الحزب على الماضي أقل قوة بسبب دلیل تافه لم یعد له وجود وكان قائماً في الماضي؟»
لكن في هذه الأیام وعلى افتراض أن الصورة بعثت من رمادها بطریقة ما، فإنها لا یمكن أن یعتد بها كدلیل. ففي زمن اكتشافه لهذا الدلیل، لم تكن أوقیانیا قد دخلت بعد في حرب مع أوراسیا. ولا بد أن الرجال الثلاثة قد أفشوا أسرار بلادهم لعملاء شرقاسیا. وبعد ذلك الوقت ظهرت اتهامات أخرى لم یكن یستطیع تذكر عددها، كما أنه من المحتمل جداً أن الاعترافات قد أعید تنقیحها مرات ومرات إلى أن أصبحت الحقائق والتواریخ الأصلیة بلا معنى على الإطلاق. فالماضي لم یكن قد تغیر فحسب، بل كان في تغیر دائم. وأشد ما كان یربض على صدره مثل الكابوس أنه لم یفهم أبداً لماذا یمارسون علینا الخداع والدجل. فالفوائد المباشرة لتزییف الماضي واضحة لكن الغایة البعیدة من ورائها كانت غامضة. فأخذ قلمه ثانیة وكتب:
«إنني أفهم (كیف)، لكن لا أدرك (لماذا)؟»
ثم تساءل، كما تساءل مراراً وتكراراً من قبل، عما إذا كان هو نفسه مصاباً بمس من الجنون. فالجنون ربما هو، بكل بساطة، أن تخالف الآخرین. ففي زمن من الأزمان كان من الجنون أن تعتقد أن الأرض تدور حول الشمس، أما الیوم فالجنون هو أن تعتقد أن الماضي غیر قابل للتبدیل. ولعل ونستون هو الوحید في تمسكه بهذا الاعتقاد، وإذا كان وحیداً في ذلك فهذا یعني أنه مجنون. بید أن فكرة الجنون لم تكن تقلقه كثیراً، بل ما كان یرعبه هو احتمال أن یكون على خطأ.
التقط كتاب التاریخ الخاص بالأطفال ثم تطلّع إلى صورة الأخ الكبیر التي تغطي الغلاف حیث العینان المغناطیسیتان تحدقان فیه، وكأنما كانت هنالك قوة هائلة تجثم علیك. شيء یخترق الجمجمة ویدخل إلى دماغك فیزعزع معتقداتك ویحملك على أن تنكر على حواسك ما تشعر به. فمن الممكن في نهایة المطاف أن یعلن الحزب أن اثنین واثنین یساویان خمسة وعلیك أن تصدق ذلك.

وعاجلاً أم آجلاً سیحصل ذلك. إن منطقه یتطلب مثل هذا. ففي الحزب لم تلن فلسفتهم تنكر صلاحیة التجربة فحسب وإنما كانت تنكر أیضاً، بكیاسة، وجود الحقیقة الظاهرة.
كذلك كانوا یعتبرون ضلال الضالین هو عین العقل. والمرعب في ذلك لیس احتمال قتلك بجریرة التفكیر بطریقة مغایرة، بل احتمال أن یكونوا على صواب. إذ كیف یمكنك بعدها أن تعرف ان اثنین واثنین یساولان أربعة؟ أو أن قوة الجاذبیة موجودة؟ أو أن الماضي لا یمكن تغییره؟ فإذا كان كل من الماضي والعالم الخارجي لا یوجدان إلا في أذهاننا، وإذا كانت أذهاننا نفسها یمكن التحكم فیها - فماذا تكون نتیجة ذلك؟ّ

لكن لا! فكر ونستون، وكأن شجاعته اشتدت وقویت فجأة من تلقاء نفسها. وقد خطر أوبراین على بال ونستون، دونما داع. كان یعرف، بیقین أقوى مما سبق، أن أوبراین في صفه. فقد كان یكتب مذكراته من أجله وإلیه، كانت أشبه برسالة لامتناهیة لن یقرأها احد، لكنها موجهة إلى شخص بعینه، وهذا ما یعطیها قیمتها.
لقد كان الحزب یوصي بأن ترفض تصدیق ما تراه عیناك وما تسمعه أذناك. كان هذا هو توجیهه النهائي والأكثر أهمیة. وغاص قلبه بین ضلوعه وهو یفكر في القوة الهائلة الموجهة ضده، وفي السهولة التي یستطیع بها أي مفكر من مفكري الحزب أن یكتشف بها أمره في نقاش أو مناظرة تعتمد على الدهاء، لن یكون قادراً على فهمها أو حتى الرد علیها. ومع ذلك فقد كان متیقناً أنه على صواب وهم على ضلال، وأن علیه الدفاع عن البسیط والواضح والحقیقي. فالبدیهیات الواضحة علیك أن تتمسك بها! إن العالم المادي موجود، وله قوانین لا تتغیر، فالحجارة صلبة والماء سائل والأشیاء التي لا ترتكز على شيء تهوي نحو الأرض. وتحت تأثیر شعوره بأنه یتحدث إلى أوبراین وبأنه كان یرسي مسلمة هامة كتب ونستون:
الحریة هي حریة القول إن اثنین واثنین یساویان أربعة، فاذا سلم بذلك سار كل شيء آخر في مساره السلیم.

كانت رائحة بن حمص تفوح في أنحاء الشارع منبعثة من مكان ما في أسفل الممر- بن حقیقي ولیس بن النصر-، توقف ونستون رغماً عنه للحظات ربما عادت به ذاكرته خلالها إلى دنیا طفولته شبه المنسیة، وبعدئذ سمعت طقة باب یغلق لتختفي الرائحة على بجأثر ذلك فجأة، وكأنما كانت صوتاً قد جال من عدة كیلومترات فوق الأرصفة حینما عادت دوالیه

تنقز علیه، وكانت هذه هي المرة الثانیة خلال ثلاثة أسابیع التي یتخلف فیها عن حضور الأمسیات في المركز الاجتماعي،

وفي هذا تهور لأن عدد مرات الحضور كان موضع مراجعة دقیقة. ووفقاً لأحد مبادئ الحزب، ما كان لعضو بالحزب أن یكون لدیه وقت فراغ أو أن ینفرد بنفسه إطلاقاً إلا عند نومه، بل كان من المفترض أن یشارك في أي لون من ألوان الترفیه الجماعي طالما أنه لا یعمل أو یتناول طعاماً أو ینام. وكان إقدام العضو على عمل یوحي بمیل للعزلة، حتى لو كان ذلك نزهة على الأقدام یقوم بها منفرداً، هو عمل فیه مخاطرة واضحة. وكان یعبر عن ذلك في اللغة الجدیدة بكلمة (حیاة خاصة) وهي تعني الفردیة والتمركز حول الذات. ولكنه عندما انصرف من الوزارة في ذلك المساء أغواه نسیم نیسان العلیل بمتابعة السیر تحت السماء التي كانت أشد زرقة وأكثر دفئاً من أي وقت مضى في هذه السنة. وفجاة بدت له تلك الأمسیات الطویلة الصاخبة التي تقام في المركز العام وما یصحب ذلك من ألعاب مجهدة ومحاضرات مملة، وصخب الرفاق وهم یتبادلون أنخاب الشراب، بدا له كل ذلك أمراً لا یحتمل. وبدافع لا إرأدي وجد نفسه یغادر موقف الحافلات ویهیم في متاهات لندن لا یلوي على شىء وسط شوارع لا یعرفها، فتارة یسیر جنوباً وأخرى شرقاً وثالثة شمالاً غیر آبه أین یسیر وبأي

أتجاه.

يتبع....

اضف تعليقك (سجل دخولك للموقع اولاً)
loading...

قصص مقترحة لك