رواية 1984 لجورج أورويل : القسم الثالث عشر

رواية 1984 لجورج أورويل : القسم الثالث عشر

رواية 1984 لجورج أورويل كاملة

بعدما أنهى ونستون ما كان بین یدیه من خبز وجبن، استدار جانباً وهو على كرسیه لیحتسي قهوته . وعلى الطاولة للواقعة عن
یساره ما زال الرجل ذو الصوت الصاخب یتكلم دون رادع أو وازع . وكانت تجلس إلى جواره فتاة شابة، ربما تكون سكرتیرته،
وظهرها إلى ونستون . كانت تصغي إلیه ویبدو علیها أنها توافقه بحماس على كل ما یقوله. وبین الفینة والأخرى كان ونستون
یلتقط بعض ما تتلفظ به الفتاة من عبارات مثل «أعتقد أنك محق تماماً، إنني أتفق معك كلیاً» كانت تقولها بصوت أنثوي سخیفة وحي. لكن الصوت الآخر لم یتوقف عن الكلام ولو لحظة واحدة،
حتى عندما كانت تتكلم الفتاة. كان ونستون یعرف هذا الرجل، لكنه لا یعرف عنه أكثر من أنه یشغل منصباً هاماً في دائرة
الإثارة.

ملاحظة: يجب ان تقرأ الرواية من القسم الاول لكي تفهمها
ونحن نقوم يومياً بنشر فصول جديدة فيها

كان یناهز الثلاثین من العمر، ذا رقبة قویة العضلات وفم واسع كثیر الحركة. كان من عادته أن یلقي برأسه إلى الوراء قلیلاً وهو
یتحدث. وبسبب الزاویة التي یأخذها أثناء جلسته كانت النظارتان تلتقطان الضوء وتعكسانه شعاعاً باتجاه ونستون مما جعله یرى عینیه كأنهما مجرد عدستین. ولكن المزعج في الأمر أنه كان من المستحیل تقریباً أن تمیز كلمة واحدة من بین ذلك السیل من الكلمات المتدفقة من فمه. ومرة واحدة فقط تمكن ونستون من التقاط جملة - «إبادة تامة ونهائیة لغولدشتاین» - قیلت على نحو سریع جداً. وأما بقیة كلامه فقد كان مجرد ضجیج وجعجعة. وبالرغم من أنك لم تكن تستطیع فعلیاً أن تميیز ما یقوله الرجل، فإنك لن تكون في ریب من طبیعته العامة. ربما

كان یهاجم لغولدشتاین ویطالب باتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد مجرمي الفكر والمخربین، وربما كان یندد بالفظائع التي ارتكبها الجیثر الأوراسي ، وربما كان یثني على الأخ الكبیر أو المقاتلین الأبطال على جبهة مالابار، إذ لیس هنالك من فرق. وأیاً كان حدیثه ، فإن ما یمكن أن تكون على یقین منه هو أن كل كلمة من حدیثه كانت تنبع من ولاء خالص لمبادى الانجسوك الصحیحة. وفیما كان ونستون یراقب ذلك الوجه الخالي من العینین، والفكین المتحركین إلى أسفل وأعلى، أحس ونستون شعوراً غریباً وهو أن هذا الذي یراه لیس إنساناً حقیقیاً وإنما نوع من الدمیة؛ إن لم یكن عقله هو الذي یتكلم، بل حنجرته، ولم یكن ما ینطق به حدیثاً بالمعنى الحقیقي، بل ألفاظاً معزولة وصخباً یصدر عن حالة من اللاوعى وأشبه بصوت بطة.

خیم الصمت على سایم لحظة من الزمن، وبملعقته كان یتتبع البقایا الموجودة في طبق الحساء، فیما واصل الصوت القادم من الطاولة الأخرى الجعجعة بسرعة وكان یسمعه ونستون بسهولة رغم كل الضجیج الذي تعج به القاعة.
وهنا تدخل ونستون قائلاً: «هناك كلمة في اللغة الجدیدة لا أدري ما إذا كنت تعرفها، إنها «یوقوق» أي یجعجع مثل البطة. إنها واحدة من هاتیك الكلمات المثیرة التي تحمل معنیین متناقضین،
فإن نعت بها خصماً فهي سباب ، وإن نعت بها شخصاً تتوافق معه فهي ثناء.»
وجال في خاطر ونستون مرة ثانیة أن سایم ستتم تصفیته. خامرته هذه الفكرة وشعر بالحزن مع أنه كان یعرف أن سایم یزدریه ویكرهه نوعاً ما، ولدیه القدرة على الوشایة به بتهمة «جریمة فكر» إذا رأى دافعاً لذلك. كان لدى سایم بعض المثالب. لقد كان
یفتقر لخصال الحذر والتحفظ ویفتقر أیضاً إلى بعض الغباء الذي یحفظ حیاة صاحبه. ولا یمكنك القول بأن سایم لم یكن صادق الولاء. فقد كان یؤمن بمبادئ الانجسوك، ویبجل الأخ الكبیر ویهلل للانتصارات، ویكره المنشقین عن الحزب، لیس یإخلاص عادي فحسب بل بحماس شدید، وكان یحرص على الاطلاع على أحدرت المعلومات التي لم یكن عضو الحزب العادي یلتفت إلیها.
بید أن سمعته كانت تحوم حولها الشكوك؛ فقد كان یقول أشیاء یحسن به ألا یقولها، وقرأ كتباً كثیرة للغایة، وكان یرتاد مقهى
شجرة الكستناء، منتدى الرسامین والموسیقیین. لم یكن ثمة قانون مكتوب أو حتى غیر مكتوب یحظر التردد على هذا المقهى، ومع ذلك كان مكاناً لا یستساغ الذهاب إلیه. لقد كان یلتقي فیه قادة الحزب القدامى الذین تم تشویه سیرتهم قبل أن تتم تصفیتهم أخیراً.

ویقال إن غولدشتاین نفسه كان يرى هناك منذ سنین أو عقود. لم یكن التنبؤ بالمصیر الذي سیؤول إلیه سایم أمراً صعباً. ومع ذلك كان من الثابت أن سایم لو لمح شیئاً عن طبیعة ما یضمره ونستون من آراء ، فإنه لم یكن لیتردد لحظة عن الوشایة به إلى شرطة الفكر. وكذلك سیفعل أي شخص آخر قي موقفه، لكن سایم كان أكثر حماساً للحزب، والحماس وحده لا یكفي، والولاء المطلق یعني انعدام الوعي.
تطلع سایم وقال: « ها هو ذا بارصون قادماً». وكان یبدو من لهجته وكأنه یود أن یضیف «الأحمق بارصون». كان بارصون،
جار ونستون في بنایات النصر یشق طریقه عبر القاعة. إنه رجل بدین، قصیر، متوسط الحجم ذو شعر أشقر ووجه كوجه
الضفدعة. كان جسمه یحمل المزید من الشحوم في رقبته وخاصرته، إلا أنه ظل نشیطاً كصبي كثیر الحركة. مظهره كله عبارة عن مظهر فتى صغیر نما بسرعة وكبر بحیث إنه رغم ارتدائه زي العمل المعتاد ما كان بوسعك أن تفكر فیه إلا وكأنه یرتدي السروال الأزرق والقمیص الرمادي ورباط العنق الأحمر كأحد أعضاء اتحاد الجواسیس. ولدى رؤیته یرى المرء دائماً صورة ركبتین مجوفتین وكمین یتدلیان من ساعدین قصیرین ممتلئین. كان بارصون یعود لارتداء السروال القصیر داوما كلما
خرج في نزهة جماعیة أو أي أنشطة بدنیة أخرى تبرر له ذلك.

تقدم نحوهما وحیاهها مبتهجاً ثم جلس إلى الطاولة تضرح منه رائعة عرق كثیفة، وتغطي وجهه القرمزي حبات من الرطوبة . .
في «المركز الاجتماعي» كان بوسعك أن تخمن أن. بارصرن یلعب كرة تنس الطاولة بمجرد إمساكك بید المضروب التي رطبها عرقه. أخرج سایم من جیبه ورقة تحوي قائمة طویلة من الكلمات التي یدققها وقلمه الجاف بین اصبعیه. وقد علق بارصون على ذلك غامزاً ونستون: «انظر إلیه، إنه یدرس حتى في استراحة الغداء، أي حرص هذا؟ ماذا هناك أیها الصبي العجوز؟ شيء ما یصعب علي فهمه ، على ما أعتقد».
ثم قال لونستون: «أیها الصبي العجوز، هل تدرك لماذا ألاحقك؟ إنه التبرع الذي نسیت أن تعطیني إیاه.»
ورد علیه ونستون متسائلاً: « ّلأي شيء هذا التبرع؟»
قالها وهو یتحسس ما لدیه من مال في جیبه. إذ إن ربع الراتب یجب اقتطاعه لسداد التبرعات التي یعجز المرء عن إحصائها.
فأجابه بارصون: « تبرع «للأسبوع الكراهیة». لعلك سمعها بصندوق البیوت، إنني أمین صندوق بنایتنا. إننا نبذل جهوداً جبارة لجمع المال من أجل إقامة عرض هائل. أود أن تعلم أنه لن یكون خطئي إنا لم تظهر بنایات النصر بالمظهر اللائق ولم یعلق
علیها أكبر عدد من الأعلام في الشارع كله، من فضلك دولارین.»
مد ونستون یده إلى جیبه وأخرج دولارین مجعدین ومتسخین، قام بارصون بتسجیلهما في دفتر صغیر كتب علیه بذلك الخط المنمق الذي یكتبه نصف الأمي.
وأردف قائلاً: «بالمناسبة أیها الصبي العجوز، لقد علمت أن ولدي المشاغب قد قذفك أمس بمقلاعه الصغیر؛ لقد عنفته وعاقبته على تلك الفعلة، وأكدرت له انني سأصادر المقلاع منه إذا عاد لمثل ذلك.»
قال ونستون: « أظن أنه كان مستاء لعدم ذهابه لمشاهدة حفلة الشنق.»
فرد بارصون: «ذلك صحیح، ولكنهما في ذلك یظهران ما لدیهما من روح عالیة، ألیس كذلك؟ یا لهم صغار ملاعین، لكنها
قوة الاندفاع، فكل ما یشغلهما هو الجواسیس والحروب. هل تعرف ماذا فعلت ابنتي الصغیرة السبت الماضي حینما خرجت في رحلة مع مجموعتها على طریق بیركها مستد؟ لقد اصطحبت معها فتاتین صغیرتین وانسللن عن مجموعتهن وأمضین كل فترة الظهیرة في تعقب رجل غریب. لقد ظللن یقتفین آثاره لساعتین عبر الغابة، وعندما وصلن إلى قریة «أمیرشم» سلمنه لإحدى الدوریات.»

سأل ونستون مدهوشاً: «ولكن ما الذي دعاهن لذلك؟» فتابع بارصون حدیثه معتزاً وقد أخذته النشوة: «ولقد تحققت ابنتي من أنه عمیل للأعداء ربما أنزلته طوافة. والنقطة اللافتة للانتباه أیها الصبي العجوز، هي ما الذي جعلها تشك فیه من البدایة؟ لقد لاحظت أنه یلبس نوعاً غریباً من الأحذیة ، لم تر أحداً یلبس مثلها من قبل. ومن هنا جاء ظنها بأنه أجنبي. إنها ملاحظة ذكیة من صغیرة مثلها في السابعة من عمرها، ألیس كذلك؟»

قال ونستون: «وماذا حدث للرجل؟»
«هذا ما لا أعرفه على وجه التأكید، ولكنني لن استغراب إطلاقاً إذا . . . » وهنا أكمل بارصون بالإشارة جاعلاً أصابعه على شكل مسدس، ثم طقطق بلسانه مقلداً صوت الرصاص.
«حسناً» علق ونستون دون أن یرفع نظره من على الورقة التي بین یدیه.
ثم أكمل ونستون بنوع من الشعور بالواجب: «من المؤكد أننا لا یمكننا الدخول في مخاطرات»
قال بارصون: «إننا في حالة حرب». وكما لو أنه تأكید لحالة الحرب، انبعث نفیر بوق من شاشة الرصد التي فوق رؤوسهم مباشرة، غیر أنه لم یكن إعلاناً عن انتصار عسكري هذه المرة، بل مجرد بیان من وزارة الوفرة.
وصاح صوت شبابي متحسس: «أیها الرقاق، انتبهوا، وردتنا أنباء رائعة لكم. لقد انتصرنا في معركة الإنتاج. فتقاریر الإنتاج التي استكملت الآن لكافة السلع الاستهلاكیة تظهر أن مستوى المعیشة قد ارتفع بما لا یقل عن 20% عما كان علیه في العام الماضي. وقد عمت أرجاء البلاد مسیرات عارمة وعفویة هذا الصباح في كل أوقیانیا، حیث انطلق العمال من مصانعهم ودوائر عملهم وساروا في الشوارع حاملین الرایات وهاتفین بحیاة الأخ الكبیر امتناناً له على الحیاة الجدیدة السعیدة التي وهبهم إیاها بفضل قیادته الحكیمة. وفیما یلي بعض هذه الأرقام: المواد الغذائییة...»
كانت عبارة «الحیاة الجدیدة السعیدة» من العبارات التي تتردد كثیراً، حیث باتت مؤخراً من العبارات المحبذة لدى وزارة الوفرة.

جلس بارصون، وقد شد انتباهه صوت البوق، مصغیاً وقد ارتسمت على وجهه علائم الجدیة المشدوهة والسأم المتعالي. لم
یستطع متابعة الأرقام، لكنه كان یدرك أنها تبعث على الرضا، وأخرج من جیبه غلیوناً كبیراً وسخا كان محشواً حتى نصفه بالتبغ المفحم؛ فمع تخفیض حصة الفرد من التبغ إلى مائة غرام في الأسبوع، بات من الصعب ان تملأ غلیونك حتى حافته. أما ونستون فكان یدخن سیجارة النصر التي یمسكها بحذر في وضع أفقي لئلا یتناثر تبغها. والحصة الجدیدة من السجائر لن یشرع في توزیعها إلا صباح غد، وهو لم یعد لدیه سوى أربع سجائر. في هذه اللحظة سد أذنیه عن الضجیج الآتي من بعد وأرهف السمع إلى ما تذیعه شاشة الرصد عن مسیرأت شكر للأخ الكبیر على رفعه حصة الشوكولاتة إلى عشرین غراماً في الأسبوع. فحدث نفسه: كیف ذلك؟ لم یكن قد مر سوى یوم واحد على نبأ تخفیضها إلى عشرین غراماً أسبوعیاً! فهل یمكن أن یكون الناس قد تناسوا ذلك وابتلعوه في أربع وعشرین ساعة فقط؟ أجل، لقد تناسوا. لقد تناسى بارصون ذلك الكذب بسهولة وابتلعه بغباء الحیوان. أما ذلك المخلوق الذي لا عینین له والجالس إلى الطاولة الأخرى فقد ابتلعه بحماس وتعصب ورغبة متقدة في تعقب كل من تسول له نفسه أن یشیر إلى أن الحصة كانت ثلاثین غراماً في الأسبوع
الماضي لأجل الوشایة به وتصفیته. بل إن سایم نفسه، ولكن بطریقة أكثر تعقیداً تنطوي على شيء من التفكیر المزدوج، ابتلعه هو أیضاً. فهل أنا الوحید الذي ما زلت أحتفط بذاكرتي؟

واصلت الإحصائیات الوهمیة تدفقها من شاشة الرصد. فمقارنة بإحصائیات العام المنصرم، هنالك ازدیاد في الغذاء والملابس والبیوت والأثاث وأواني الطهي والوقود والسفن والطائرات والكتب والموالید، ازدیاد في كل شيء ما عدا المرض والجریمة والجنون. وسنة بعد سنة ودقیقة بعد دقیقة، كان كل شيء وكل إنسان آخذ في الصعود بسرعة مطردة.
على غرار ما فعل سایم قبل قلیل، أمسك ونستون بملعقته وغمسها في المرق الأصفر ثم رفعها إلى فمه راسماً خطاً طویلاً من المرق على الطاولة. وتمعن باستیاء في الحیاة التي یحیاها. وتساءل أهكذا كانت الحیاة دائماً؟ هل كان مذاق الطعام ردیئاً كما هو الآن؟ وألقى نظرة حوله في المطعم فوجد قاعة مزدحمة، سقفها منخفض، وقد اكتست جدرانها بالسخام من أثر أیاد وأجسام لا تحصى، وامتلأت بكراس وطاولات معدنیة مهشمة وضعت بشكل متلاصق بحیث تتصادم أكواع الجالسین أثناء الطعام. كما رأى ملاعق مثنیة وصواني منبعجة وأباریق خشنة بیضاء. كانت كل السطوح ذات ملمس لزج من أثر الشحوم، فالوسخ یتخلل ما بها من تشققات، كما كانت تفوح من القاعة رائحة حمضیة تنبعث من الخمرة والقهوة الردیئتین ومن
الملابس المتسخة. كان المرء یحس دائماً بأصوات احتجاج تنبعث من معدته ومن تحت جلده، ویشعر بأنه قد سلب شیئاً كان من حقه الحصول علیه. صحیح أنه لا یذكر أن الأحوال كانت تختلف عن ذلك كثیراً، فكل ما یمكنه تذكره بصورة واضحة هو أن النقص في الطعام كان دائماً. لم یكن یوجد جوارب أو ملابس داخلیة لیست ملیئة بالرتوق. والأثاث كان دائماً مهشماً عتیقاً، والغرف بلا تدفئة، وقطارات الأنفاق مزدحمة، والبیوت متداعیة آیلة للسقوط.
لقد بات الخبز أسود اللون، والشاي نادر الوجود، والقهوة متعفنة الطعم، والسجائر غیر كافیة. ولم یكن من شيء وفیر ورخیص سوى الخمرة المصنعة كیماویاً. ولئن كانت الأوضاع تسیر من سیئ إلى أسوأ مع تقدمه في السن، فهل كانت هنالك دلائل تشیر إلى أن ذلك لم یكن الوضع الطبیعي للأمور؟ فإذا كان قلب المرء یتألم لوجود كل هذه المنغصات:
شتاءات طویلة وقذارة جوارب، ومصاعد معطلة دائماً، وماء بارد، وصابون خشن، وسجائر تتفتت، وطعام رديء ذي مذاق غریب.. هل كان المرء یضیق ذرعاً بتلك الأوضاع التي لا تطاق لو لم تكن لدیه ذاكرة ما توحي إلیه بأن الأمور كانت تختلف عما هي علیه الآن؟
ألقى نظرة أخرى حوله في المطعم، فبدا له أن كل الأشخاص كانوا قبیحي الشكل، وأن هذا القبح لن یزول حتى لو ارتدوا
ملابس أخرى وخلعوا الزي الأزرق المعهود. في الجانب الأبعد من القاعة كان رجل ضئیل الجسم مثیر للاستغراب یشبه الخنفساء یجلس إلى طاولة بمفرده ویحتسي فنجاناً من القهوة وعیناه الصغیرتان ترسلان نظرات مرتابة من جهة لأخرى. وجال بخاطر ونستون لو أن النموذج الجسدي الذي حدده الحزب هو النموذج المثالي، حیث یكون الفتیان یافعین ومفتولي العضلات، وتكون الفتیات العذارى مكتنزات الصدور وشقراوات الشعر ومفعمات بالحیویة وقد أكسبتهن الشمس سمرة وأصبحن متحررات من القلق. أما في الواقع وبقدر ما یستطیع أن یحكم، فإن غالبیة الناس في القطاع الهوائي رقم واحد كانوا ضئیلي الأجسام وذوي بشرة سمراء وقبیحي الشكل. وكان مما یبعث على الاستغراب،
الكیفیة التي تمكن من خلالها ذلك النمط الخنفسائي الشكل من النفاذ إلى الوزارات: حیث ترى فیها رجالاً قصاراً، سماناً یسمنون في وقت مبكر جداً، ذوي سیقان قصیرة وحركات سریعة زاحفة ووجوه ممتلئة وعیون صغیرة للغایة. إنه النمط
الذي یزدهر بصورة أفضل في ظل هیمنة الحزب.
اختتم بیان وزارة الوفرة ببوق آخر وحلت محله موسیقى خفیفة. وأخرج بارصون، وقد أثاره هول أرقام الإنجازات وحرك فیه
حماسه الفاتر، أخرج غلیونه من فمه. وقال وهو یهز رأسه هزة العارف: «من المؤكد أن وزارة الوفرة قد أبلت بلاء حسناً هذه
السنة. بالمناسبة أیها الصبي العجوز، هل لدیك شفرات حلاقة یمكنك أن تعطیني واحدة منها؟»

يتبع...

اذا لم تجد تكملة الرواية في الاسفل, اذهب للصفحة الرئيسية للموقع واستخدم البحث

Telegram