قصة بوكمينستر فولر

قصة بوكمينستر فولر

قصص عالمية

كيف من الممكن أنّ بوكمينستر فولر – الملقَّب بالمهندس المعماري، الفيلسوف، المفكِّر، الرجل صاحب الرؤيا، المُخترِع، المهندس، خبير الرياضيّات، الخبير في عِلم الكونيّات والشّاعر، والذي لم يحمل لقب "عالِم" أبداً – هو "العالِم الجديد" الذي نتحدّث عنه؟

فلنقُل، يحقُّ للشاعر ما لا يحقُّ لغيره.. لقد كان، ببساطةٍ، شخصيّةً ساحِرة.. وقد كان واعياً لذلك.

في ما يلي قائمةٌ محدودة بعناوين بعض كتبه الـ28:

أرض م.ض


السليقة


تسع روابط للقمر


لا إلهَ بعد من يد ثانية


أبدو كأنني أعمل


الطاقة، الأرض وأيّ إنسان


خطّة للعالم المحسوس


أنماط الحكمة، أنماط الحياة


وغيرها الكثير من الكتب



لقد كان، بلا شكّ، مفكِّراً أصيلاً، اهتمَّ بالناس وبالبيئة. لكن، هل عمِلَ شيئاً إلى جانب ذلك؟ وفعلاً، كما يُقال: "الكلماتُ هي أفعال" (أ. م. فورستر)، فرغم أنّ معظم أعماله أنجزت، عملياً، على يد تلامذته، فإنّ حقيقة أنّه كان مصدر إلهامهم، وأنّه طوّر البنية التحتيّة الرياضيّة لعملهم، تمنحهُ، بالتأكيد، حقوقاً كثيرة، وإنْ لم تكن بكثرة الحقوق التي ادّعاها هو لنفسه.

هل التفكير بشيءٍ يمنحُهُ أحقّية وأولويّة على فعل ذلك الشيء نفسه؟ وهل التفكير بشيءٍ يمنحُ حقوقاً فكرية حصريّة؟ لا بدّ أنّ فولر اعتقدَ ذلك. فإن كان الأمر كذلك فعلاً، فما هي تلك الأعمال الإبداعيّة؟

يُعرَف بوكمينستر فولر، ويُذكَر، بشكلٍ خاصّ، بفضل "القِباب الجيوديسيّة" التي صمَّمها، والتي ترتكزُ على عِلم الرياضيّات. اعتبرها فولر، وبحقٍّ، إلى حدٍّ ما، "المباني الأقوى، الأسهل والأوفر التي لم يصمّمها أحدٌ من قبل".
لكنه لم يكتفِ بالعمل في الهندسة المعماريّة، بل دمجَها مع الفلسفة، عِلم الاجتماع والاقتصاد، مُنشئاً

بذلك بُنية فكريّة متكاملة، أُطلِقَ عليه اسم "سينارجتيكا"، أي "هندسَة التفكير".
ليس من السهل تعريف خصائص السينارجتيكا، ولكن في الإمكان القول إنّها ترتبط بتطويع الهندسة والتكنولوجيا في خدمة البشرية. إذا قلنا إنّ "فولر خصَّص ساعاتٍ محدودة ليُحاضر أمام جمهورٍ كبير في ساحة ماديسون بنيويورك حول الحاجة إلى تفضيل الأهرام الثلاثيّة على الأشكال التكعيبيّة كطريقةٍ لإنقاذ البشريّة"، فإننا نُقلّل من قيمة السينارجيتكا، ولكننا نشير بذلك إلى صعوبة فهمها.

الهرم الثلاثيّ هو هرمٌ مبنيٌّ من أربعة مثلّثات، ويُعتبر، حقّاً، المبنى الحيّزيّ الأقوى، الذي يمكن بناؤه من قضبان صلبة – أقوى من المكعّب بكثير، مع ذلك، يتميّز الهرم الثلاثيّ بمساحةٍ داخليّة كبيرة وبحجم صغيرٍ جدّاً، ولذلك، عندما بدأ فولر بالتفكير في "كيفيّة إسكان البشريّة"، قام بتوسيع الفكرة لإنشاءِ قِبابٍ ذات بنية متعدّدة السطوح – مبانٍ أقلّ صلابةً بعض الشيء، ولكنها تبقى قويّةً جدّاً. يتمّ استخدام هذه القِباب اليوم على نطاقٍ واسع، ولكن بنسبةٍ أقلّ بكثير ممّا كان فولر يحلم به، وفي أماكن محدودة فقط من أجل السكن الناجع والرخيص. يعرفها معظم الناس كأغطية لأجهزة الرادار في المطارات، وربّما كـ"سفينة الفضاء-الأرض" (التي صمّمها فولر وأطلقَ عليها اسمها، أيضاً)، والتي تُعتبر المبنى المركزيّ في مركز إيبكوت التابع لديزني في فلوريدا.

كانت حياة فولر سيّئة في بدايتها، وحين بلغ 32 سنة وجد نفسه يسكن في حيٍّ فقير بشيكاغو، وهو يعزو موت طفلته الرضيعة إلى عدم قدرته على توفير سكنٍ لائقٍ لعائلته، فباتَ على شفا الانتحار.. لكنّه وفي هذه اللحظة، "فهِمَ" فجأةً أنّه ليسَ "مُلك" نفسه بل مُلك الكون، ولذا، ليس له حقٌّ في إنهاء حياته بيده؛ وأنّ عليه تكريس نفسه من أجل "توفير الطعام، الغطاء والطاقة لـ%100 من البشريّة".. ورغم أنّه لم ينجح حتّى في الاقتراب من هذا الهدف، فلا شكّ في أنّه هزَّ عالمَ الهندسة المعماريّة (والفنّ وعِلم الاجتماع) إلى درجة أن أصداء أفكاره لا تزال تتردّد في الكلمات، المباني والمؤسّسات.

ليس من زمن بعيد أُطلِق اسم فولر على مبنى جزيئيٍّ جديدٍ للغاية (وغير متوقّع): جزيئات كرويّة متعدّدة السطوح، تماماً مثل قِباب فولر – التي تُعرف باسم بوكمينسترفولرنس أو (بشكلٍ غير رسمي)، بوكيبول (كرة بوكي).

يبدو أنّ تخليد الذكرى هذا ملائم له تماماً. ستخبرنا الأيام ما إذا كانت هذه الجزيئات، أو إبداعات فولر نفسه، ستحقق القدرة الكامنة فيها.

Telegram