الهروب من الموت ومتلازمة لازروس

الهروب من الموت ومتلازمة لازروس

قصص خيال علمي وألغاز علمية

بدون إختيار منك، أو علم لديك، لا مهرب، ولا محيص من الموت، الموت مصير محتوم، لا مفر منه، كلنا سنموت، غير أن الأجل ليس له سبب معين، بل أسبابه متنوعة، وكلها دروس للغافلين.
(قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم)

من العاصمة، أنا وزميلي الرائع (شابك)، في برنامج تدريبي تطوعي - قسم الطوارئ - هذه المرة. حيث كنا من عشاق الأعمال التطوعية، نسخر كل إمكانياتنا العملية والعلمية من أجل الوطن، ليسعد بنا، ويكون مصدرا ملهما لرضى النفس، ليرتقي بنا ونرتقي به. يتخللها بين الحينة والآخرى أحداث كثيرة مثيرة، ولعل ما نسرد كتابته هاهنا ينتابه الكثير من الجدل.

مرت الأيام سريعة، تعلمنا خلالها الكثير من تجارب ومعارف جديدة. تأملنا وعشنا على مدارها، ما يكتنف هذه البيئة من طبيعة الحياة، لمرضى مقيدة روحهم بين سندان الموت والحياة، مقتضيا فيها الموت على كثير من المفارقات والمتناقضات. مرت الأيام بدون أن نشعر، لقد نسينا أن هذا اليوم الأخير لنا في قسم الطوارىء. وبعد معارك خضناها، وما أنتابنا خلالها من الوهن والتعب. أخذنا نبحث عن فراغ لنأخذ نفسا ونجمع به طاقتنا. خلالها تشاركنا أطراف الحديث تاركين الزمن يمضي. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. فجأة !! عم صفير صارخ، مريض في غرفة الإنعاش، شاب عشريني ضخم الجثة قد توقف قلبه عن العمل، سارعنا مع الجميع، فبينما وقفنا في ذهول وجمود، يطلب كبير الأطباء منا القدوم في الإنعاش القلبي الرؤوي (CPR)، عشنا خلالها دقائق عديدة عصيبة في غرفة الأنعاش، ابتداء من الضغط الصدري والصعق الكهربائي وصولا إلى الحقن الوريدية وكل ذلك دون جدوى. ليعلن الكادر الطبي بعد 45 دقيقة من العمل الدؤوب والمناقشة الفعلية إعلان الموت النهائي.

وتكون هذه الحالة بالنسبة لي طبيعية لأنني شاهدت حالات وفاة سابقة أمام عيني بينما زميلي لربما الأولى التي يشاهد فيها شخص ميت وكان هذا واضحا عليه من تعابير وجه الشاحب بالخوف والهلع. انشغل الجميع هنا وهناك وبقي شابك يراقبني من خلف الستارة بينما أنا أقوم بغلق عيني الشاب الميت وأردد بعض الأدعية المأثورة. أملت رأسي نحو زميلي، فنظر لي وقال سحقا لك ! ومع كل ذلك كان شابك يملك روحا جشأة وهو يؤدي عمله على أكمل وجه..

بعدها بعد إعلان الوفاة ، اجتمع الكادر الطبي لأخبار والد الشاب بأن ابنه فارق الحياة. وأن الكادر الطبي فعل كل ما بوسعه ولكن دون جدوى، حينها رفض الأب تصديق هذه الرواية فتعالت الأصوات. وصل رجال الشرطة والأب يروي القصة لهم بأنه قبل 6 أشهر. الإسعاف أحضرت ابنه لهذا المستشفى وقالوا انه مفارق للحياة، وبعد 4 ساعات من إعلان الوفاة وبينما يتم تغسيله، ولى الشيخ هاربا مخلفا وراءه سحابة غبار لا مثيل لها. هلع خوف بكاء صراخ. نعم استيقض الشاب من سباته العميق وعاد للحياة مجددا وهو يمارسها بشكل طبيعي.
فصعق الجميع ! الكادر الطبي! رجال الشرطة! شابك!

قد عاد مجددا إلينا !!! هل هذه المرة سيستطيع الإفلات من قبضت الموت ؟

الضابط : يتفحص جثة الشاب. يتوجه الضابط ناحية الأب، لا علامات حيوية للمتوفي. فحقا ابنك فارق الحياة ويجب أن تقبل ذلك. تلك مقادير الله في خلقه.
الأب: لا مستحيل ابني ما زال على قيد الحياة. أنا واثق من ذلك. الكادر الطبي هنا غير مؤهل. يجب أحذ ابني لمستشفى آخر.
الضابط: توقف عن كل هذا وكن مؤمنا أنه قضاء الله وقدره.
الأب: أنا واثق أنه سيعود للحياة.
بعد مشادات كلامية بين الأب والشرطة من جهة وبين الأب والكادر الطبي من جهة أخرى. أخيرا استسلم الأب حينها لا حيلة له. مع أمله أن كل هذا مجرد هراء. ووقع على شهادة الوفاة واستلم جثة ابنه.

ربما هذا لا يحدث إلا في أفلام الرعب، لكن ماذا إن كانت حقيقة!. ماذا لو حدث هذا معك؟ ماذا إن دفنت حيا؟ علامات استفهام كثيرة ونحن نراجع معلوماتنا العلمية؟ بعد توقف القلب عن النبض وعن ضخ الدم إلى الدماغ فإنه من الناحية الفنية يعتبر الإنسان ميتا، حيث أكدت الدراسات العملية أنه بعد 6 دقائق من توقف القلب عن العمل يبدأ الدماغ بالموت! إي استحالة أن يرجع وعيه. وحتى وإن عاد قلبه ينبض بعد تلك الدقائق. فهو ميت لا محال. الدماغ دمر! كيف تمكن هذا الشاب من النجاة!!!

بدأنا حينها في دوامة من الشكوك بين الصراخات الرنانة لوالد الشاب تاهما فيها الكادر الطبي بتقصير وعدم كفاءته وبين لا مجهول ؟

أخبرنا زملائنا الأخرين في البرنامج ممن تطوعوا هم أيضا في العمل في العناية المركزة ومنهم الزملاء الرائعيين رفقاء الدرب سمعه ورشود ولد ماجد (مدير) وأيضا لا يمكن نسيان بينزيما العملاق (نجيشات)، بين مصدق وآخر مشككك وآخرلا يعرف ما يقول! وبينما نحن في الطريق للديار. يفتح سمعه بابا ومواضيع عن قصص حقيقية منها ما شاهدها بعينه ومنها ما كان يحكيه له والده، قصص كثيرة لو سمعتها لشعرت أن جلد رأسك قد شد بملاقط الحديد، وأن كل شعرة في رأسك تتحول إلى شوكة حارقة. نعم قصص تقشعر منها الأبدان. وحينها " فك الجميع حلقه". وعم صمت رهيب.

بالرغم من دوامات علامات الاستفهام يبدو أن القصص التي حكاها لنا أبو سمعه حاولت كبح علامات الأستفهام التي أرقتنا... رضينا ملبينا لطلبها انهينا الحوار وما ينتابه من هواجس وتردد وخوف وفزع أحيانا. وهكذا استقر بنا الحال قناعة "أن هناك أشياء يمكنك الهروب منها بمجرد الأبتعاد منها ولكن لا يمكنك الهروب من الموت مهما ابتعدت منه فالفرار من الموت لا يضاهيه فرار ولكن يبدو أن القلة النادرة جدا من يستطيعون !!!".

مرت الأيام وحاولت نسيان الموضوع وتجاهله، ولكن يبدو أن زميلي شابك ما زال يبحث عن الموضوع حتى وقع بين يديه مقال عن متلازمة لازروس والتي سارع لمشاركتها معي. أنها المرة الأولى التي أسمع بها عن متلازمة لازروس lazarus syndrome التي توصف بأنها عودة متأخرة تلقائية للدوران بعد توقف تام للإنعاش القلبي. برغم أن هناك حالات بالعشرات فقط قد تم تسجيلها إلا أن هذه المتلازمة ليست نادرة إلى هذا الحد. إذ هناك حالات كثيرة لم تسجل، وذلك للتهرب من المسائلات وربما هناك حالات تعود لدقائق ولا ينتبه لها أحد. متلازمة حيرت العلماء منذ عقود. ضاربة بكل الحقائق والمبادئ العلمية والطبية بعرض الحائط.


التسمية مأخوذة من لازروس ، وهو (لعازر) المذكور في الكتاب المقدس والذي اعيد للحياة بعد اربعة ايام على موته في معجزة احياء الموتى للسيد المسيح ، وقبره معروف يزار في بلدة بالقرب من القدس
حقا أن الموت ينطوي على كثير من المفارقات والمتناقضات بل أسرار وعجائب يعجز البشر عن فهمها فالتراث البشري مليئ بها مما دفع الناس طليعة القرن التاسع عشر لوضع أنابيب تنفس وأجراس داخل توابيت الموتى ليستطيعوا إرسال اي إشارة إذا عادت لهم الحياة. وتعود الروح من جديد، هاجس البشرية من زمان بعيد حيث تشاطرت كل المعتقدات على غموضها، لتكون بذلك أكبر التحديات التي واجهتها المعرفة البشرية. ويبقى لك عزيزي أن توصيهم بوضع معك هاتفك النقال عندما يتم دفنك فتمسك بالحياة حتى الرمق الأخير رغبة في البقاء.

النهاية

لاتنسى مشاركة القصة مع اصدقائك

Telegram