رواية 1984 لجورج أورويل : القسم الثامن والثلاثون

رواية 1984 لجورج أورويل : القسم الثامن والثلاثون

رواية 1984 لجورج أورويل كاملة

ولكنها لم تجب أیضاً لأنها كانت قد راحت في نوم عمیق، فأغلق الكتاب ثم وضعه بعنایة على الأرض، ثم اضطجع ساحباً لغطاء لیغطي جولیا ویندس إلى جانبها.
لكنه راح یفكر في أنه لم یعرف بعد السر النهائي، لقد فهم «كیف» ولكنه لم یفهم «لماذا»، فالفصل الأول شأنه شأن الفصل الثالث لم یأت بجدید لم یكن یعرفه من قبل، فكل ما فعله هو أنه رتب له ما كان یعرفه بالفعل. لكنه بعد قراءته للفصلین بات واثقاً أكثر من ذي قبل أنه لم یكن مجنوناً، وأن وجود المرء بین أقلیة حتى لو كانت هذه الأقلیة تتألف من فرد واحد فحسب لا یجعله مجنوناً، إذ هنالك حقیقة وكذب وإذا ما تمسكت بالحقیقة حتى لو كان في ذلك مواجهة للعالم أجمع، فإن هذا یعني أنك لست مجنوناً.
وكانت صفرة الشمس الغاربة تنسل عبر النافذة وتسقط على الوسادة، فأغمض ونستون عینیه، وكان شعاع الشمس على وجهه فضلاً عن جسد الفتاة الناعم الذي یلامس جسده قد ولّدا لدیه إحساساً بالثقة ورغبة في النوم. كان یشعر بالأمان وبأن كل شيء على ما یرام، ولذلك فقد راح في نوم عمیق وهو یتمتم بعبارة «سلامة العقل لیست مسألة إحصائیة» والتي كان یشعر بأنها تنطوي على حكمة بالغة وعمیقة.
وحینما استیقظ كان یحس وكأنه قد نام وقتاً طویلاً، ولكن نظرة
واحدة ألقاها على الساعة عتیقة الطراز أكدت له أن الساعة لم تتجاوز الثامنة والنصف بعد. ولذلك فقد أخذته سنة من النوم ثم أفاق على ذاك الغناء المألوف المنبعث من الساحة التي تطل علیها
الغرفة:
كان حلماً مقطوع الرجاء مركیوم من نیسان
ولكن بنظرة وكلمة وأحلام أثاروها استلب مني فؤادي
كان یبدو أن هذه الأغنیة

التافهة قد حافظت على شعبیتها وانتشارها، لقد كان المرء أینما ذهب یسمعها، بل لقد فاقت أغنیة الكراهیة نفسها. استیقظت جولیا على الصوت وتمطت بتلذذ ثم نهضت من الفراش.

وقالت: « ّإنني جائعة، دعنا نعد بعض القهوة. یا للعنة! لقد انطفأ الموقد وبرد الماء». ورفعت الموقد وهزته بیدها وقالت: «لقد نفد منه الزیت».
- أظن أنه یمكننا الحصول على بعض الزیت من شارنغتون العجوز.
ثم أضافت قائلة: «الشيء المضحك أنني تأكدت من أنه كان ملآن، سألبس ثیابي، إذ یبدو أن الطقس قد ازداد برودة».
ونهض ونستون أیضا ولبس ثیابه، وكان ذلك الصوت الذي لا یلحق به الكلل أو الملل یواصل الغناء:
یقولون إن الزمن یداوي كل الجراح
یقولون إن المرء بوسعه أن ینسى دائماً
بید أن الابتسامات والدموع عبر السنین
ما تزال إلى الآن تقطع نیاط قلبي!
اتجه ونستون نحو النافذة بینما كان یشد حزامه. لا بد أن الشمس قد توارت خلف البیوت إذ كان ضوؤها قد انحسر عن الساحة، وكانت الحجارة مبتلة كلما لو كانت قد غسلت لتوها، بل لقد خامره
شعور بأن السماء نفسها قد غسلت أیضاً فقد كانت زرقتها التي بین أعمدة المداخن نضرة وشاحبة. وكانت المرأة صاحبة هذا الصوت تذرع الساحة جیئة وذهاباً بلا كلل أو ملل، فتارة تغني وأخرى
تلزم الصمت لكنها كانت دائماً تعلق مزیداً من حفاضات الأطفال. وتساءل ونستون في نفسه عما إذا كانت تزاول الغسیل كمهنة من أجل كسب قوتها، أو أنها كانت مجرد خادمة لعشرین أو ثلاثین
حفیداً. كانت جولیا قد جاءت لتقف إلى جانبه، وراحا معاً یحملقان إلى الأسفل وقد خلب لبهما القوام القوي لهذه المرأة. وعندما تطلع إلى المرأة بهیئتها الممیزة وذراعیها الغلیظتین وهما تمتدان حتى
تطالا حبل الغسیل، وردفیها البارزین ككفل حصان، أدرك وللمرة الأولى أن هذه المرأة جمیلة. ولم یكن قد خطر بباله من قبل أن امرأة في الخمسین أخذ جسمها أبعاداً هائلة جراء حمل الأطفال، ثم تصلّب بعدئذ واخشوشن بالعمل حتى قسى مثل لفتة شائخة، یمكن أن تكون جمیلة. لكنها كانت جمیلة. ولم لا؟ إن بین جسمها الصلب الذي ضاعت خطوطه مثل صخرة من الجرانیت وجلدها الأحمر الخشن، علاقة تشبه تلك التي بین تاج الوردة وكأسها. فلماذا ینبغي أن تكون الثمرة في مرتبة أدنى من مرتبة الزهرة؟
وحینئذ غمغم ونستون: «إنها جمیلة».
وأضافت جولیا: «إن عرض ردفیها یبلغ متراً كاملاً».
فقال ونستون: «هذا هو سر جمالها».
وأمسك بخصر جولیا اللدن ثم أحاطه بذراعه، والتصق به جسمها من ردفیها حتى ركبتیها. لكن ونستون كان یعلم أن ما یقومان به لا یمكن أن یثمر طفلاً، فهذا هو الشيء الوحید الذي لا یمكنهما فعله. ولم یكن بإمكانهما الإفصاح عن هذا السر لأحد إلا بكلمة یتلفظ بها من عقل إلى عقل. أما المرأة التي كانت في الساحة فلا عقل لها، فهي لا تملك سوى ذراعین مفتولتین وقلب حار ورحم خصب. وتساءل ونستون عن عدد الأطفال الذین أنجبتهم، ربما أنجبت خمسة عشر طفلاً ، لا شك أنها مرت بازدهار عابر
وسریع، ربما لسنة من الزمن، ازدهار وجمال وردة بریة، ثم انتفخت فجأة مثل ثمرة جیدة فأصبحت صلبة حمراء خشنة، بعدئذ غدت حیاتها عبارة عن أشواط متواصلة من الغسیل والتنظیف والرتق والطهو والكنس والتلمیع لأطفالها أولاً ثم لأحفادها فیما بعد وعلى مدى ثلاثین سنة متصلة ومع ذلك فهي لا تزال تغني.
ولقد امتزجت مشاعر التبجیل الغامض التي أحسها ونستون نحوها مع المشهد الشاحب للسماء الخالیة من الغیوم والممتدة لما وراء أعمدة المداخن إلى مسافات لا نهایة لها. وقد لفت نظره أن السماء التي تظلل الجمیع واحدة سواء كان ذلك في أوراسیا أو إیستاسیا أو حتى هنا في أوقیانیا، كما أن الناس الذین تظلّلهم السماء یتشابهون إلى حد كبیر أینما كانوا، ففي جمیع أنحاء العالم یعیش مئات ألوف
من ملایین الأشخاص على هذا المنوال، حیث یجهل بعضهم وجود بعض، وتفصل بینهم جدران من الكراهیة والأكاذیب ومع ذلك فإنهم متماثلین. أناس لم یتعلموا أبداً كیف یفكرون ولكنهم یختزنون
في قلوبهم وبطونهم وعضلاتهم القدرة التي یمكن في یوم من الأیام أن تقلب نظام العالم. فإذا كان هناك أمل فإنه یكمن في العامة!
ومن دون أن یكمل قراءة الكتاب أدرك أن تلك لا بد أن تكون رسالة غولدشتاین الأخیرة. إن المستقبل ملك العامة، وتساءل ونستون: هل یمكنني أن أضمن أنهم عندما یحین وقتهم ویمسكون بزمام أمور العالم فإن العالم الذي سینشئونه لن یكون غریباً ّعلي
كهذا العالم الذي یهیمن علیه الحزب؟ أجل سیكون كذلك لأنه، على الأقل، سیكون عالم العقل. فحیثما توجد المساواة یوجد العقل، ولسوف یحدث ذلك إن عاجلاً أو آجلاً. سوف تتحول القوة إلى
وعي. إن العامة خالدون، وهذه حقیقة لا یمكن أن یرقى إلیها شك حینما ینظر المرء إلى القوام الراسخ للمرأة التي في الساحة. لا بد
أنهم سیستیقظون في نهایة الأمر، وإلى أن یحدث ذلك، وبالرغم من أنه قد لا یحدث إلا بعد مضي ألف سنة، فإنهم سیبقون أحیاء رغم كل الظروف مثل الطیور تنقل الحیویة من جسم إلى جسم
دون أن یتمكن الحزب من تقاسمها معهم أو حتى قتلها.

وقال ونستون: «هل تذكرین العصفور الذي كان یغنّي لنا یوم
التقینا عند طرف الغابة؟»
فقالت جولیا: « لنفسه، وربما لیس إنه لم یكن یغني لنا بل كان یغن لهذا السبب أیضاً، بل لقد كان یغني لمجرد الغناء».
إن الطیور تغني والعامة تغني بید أن الحزب لم یغنّي. وفي جمیع أنحاء العالم، في لندن ونیویورك وأفریقیا والبرازیل وفي الأراضي المحرمة الواقعة وراء الحدود والتي یلفها الغموض وفي
شوارع باریس وبرلین وفي قرى السهول الروسیة الشاسعة وفي أسواق الیابان والصین - في كل مكان تنتصب شبیهات هذه المرأة ذات القوام الصلب الذي لا یكل أو یمل واللائي تضخمت
أجسامهن من جراء العمل وإنجاب الأطفال والكدح من المهد إلى اللحد ومع ذلك یغنین. ومن أصلاب هؤلاء سیخرج حتما جیل واع. فإذا كنا من الأموات، فإن المستقبل لهم، إلا أنه من الممكن لنا المشاركة في ذلك المستقبل إذا استطعنا إبقاء العقل منّا حیاً كما یبقون هم أجسادهم حیة، ونقلنا العقیدة السریة التي مفادها أن اثنین واثنین یساویان أربعة إلى القادم من الأجیال.
وقال ونستون: «إننا نحن الأموات».
فردت جولیا بصوت كأنه الصدى: «إننا نحن الأموات».
فقال صوت حدیدي ینبعث من خلفهما: «إنكما أنتما لمیّتان!»
فانتفضا وانفصل واحدهما عن الآخر، وشعر ونستون أن الدم تجمد في عروقه، ورأى البیاض حول حدقتي عیني جولیا وشحب وجهها كله حتى أن بقایا الصباغ الأحمر التي على وجنتیها قد برزتا وكأنهما غیر متصلتین بالبشرة التي تحتهما. وكرر الصوت الحدیدي: «إنكما لمیّتان».

وهمست جولیا: «إن الصوت یأتي من وراء اللوحة».
فقال الصوت: «أجل إنه یأتي من وراء اللوحة، اثبتا مكانكما ولا
تتحركا حتى یصدر لكما أمر آخر».
إنها بدایة النهایة، إنها بدایة النهایة! لم یكن باستطاعتهما أن یفعلا أي شيء غیر أن یحدق أحدهما في الآخر، ولم تخطر ببالهما فكرة أن ینجوا بحیاتهما ولغادرا المنزل قبل فوات الأوان، فلا یعقل أن
یتصورا أن بوسعهما عصیان الصوت الحدیدي الصادر من الجدار. ثم سمعا صوت فرقعة تلاه صوت زجاج یتهشم، لقد سقطت اللوحة على الأرض كاشفة شاشة الرصد المخبأة وراءها.
قالت جولیا: «إنهم یروننا الآن».
فقال الصوت: «إننا نراكما الآن. قفا في منتصف الغرفة ولیدر كل منكما ظهره للأخر، ولیضع یدیه خلف رأسه ولا یمسس أحدكما
الآخر».
ولم یمسس أحدهما الآخر ومع ذلك ظل ونستون یشعر وكأن جسد جولیا یرتجف أو ربما كان جسده هو الذي یرتجف. وقد استطاع بشق الأنفس أن یمنع أسنانه من أن تصر صریراً، لكن ركبتیه
كانتا خارجتین عن سیطرته، ثم سمعا وقع أقدام قویة في داخل المنزل وخارجه، وبدا أن الساحة قد اكتظت بالرجال وأن شیئاً ما یتم جره على الأحجار وتوقفت المرأة عن الغناء فجأة. وسمع صوت طقطقة وكأن حوض الغسیل قد قذف به عبر الساحة وأعقب ذلك جلبة من الهتافات الغاضبة التي انتهت بصرخات ألم.
وقال ونستون: «إن البیت محاصر».
فقال الصوت: «إن البیت محاصر».

وسمع ونستون جولیا تصر على أسنانها وتقول: «أعتقد أنه یحسن بنا أن یودع كل منا الآخر».
فقال الصوت: «یحسن بكما أن یودع كل منكما الآخر».
ثم سمعا صوتاً آخر یختلف تماماً عن الصوت الحدیدي، وكان صوتاً رقیقاً مهذباً وبدا لونستون أنه سمعه من قبل هو یقول: «وبالمناسبة، وما دمنا بصدد هذا الموضوع، فها هي شمعة تستنیر بها في الطریق إلى الفراش، وها هي مقصلة تحز عنقك!»
وسمع ونستون صوت شيء یتهشم خلفه ویقع على الفراش، لقد برز رأس سلم من النافذة وبدا أن شخصاً ما یتسلقه للدخول عبر النافذة. وارتفع وقع أقدام على درج المنزل ولم تمر لحظات حتى أصبحت الغرفة غاصة برجال أشداء یرتدون بزات سوداء وأحذیة ذات نعال حدیدیة ویلوحون بهراوات في أیدیهم.
ولم یعد ونستون یرتجف، بل حتى لم یكن یحرك عینیه. كان الشيء الوحید الذي یهمه هو أن یحتفظ بسكونه لئلا یعطي أحدهم حجة لضربه! وتوقف قبالته رجل ذو فك یشبه فك مصارع حیث كان فمه كشق مفتوح، وراح یلوح بهراوته واضعا إیاها بین إبهامه وسبابته. والتقت عینا ونستون عیني هذا الرجل وكان شعور ونستون بالعري، وبیدیه المرفوعتین خلف رأسه وبوجهه وجسده المكشوفین شعوراً لا یحتمل. ولعق الرجل شفتیه بلسانه ثم سمع صوت فرقعة آخر، لقد تناول أحدهم الثقل الزجاجي من فوق المنضدة ثم ألقى به فوق حجر المدفأة فتهشم.
وتدحرجت قطعة المرجان على الأرض، وكانت ضئیلة جداً. بعدئذ سمع شهقة وخبطة خلفه، ثم وعلى الفور تلقى ضربة عنیفة على كاحله كادت تُفقده توازنه، بینما كان رجل آخر یلكم جولیا في بطنها فارتمت على الأرض وهي تلهث محاولة تنشق للهواء، لكن ونستون لم یجسر على الالتفات قید أنملة، وإن كان وجهها المزرق الشاحب واللاهث یأتي أحیاناً في نطاق رؤیته. ورغم حالة الذعر التي استولت علیه فقد كان الألم الذي یشعر به أقل حدة من ذلك الذي كانت تحسه وهي تحاول استعادة أنفاسها. كان یدرك مدى الألم المضني الذي تتعرض له ولكنه ذلك الألم الذي لا یشعر به المرء ما دام عاجزا عن التقاط أنفاسه. بعدئذ انكب رجلان على جولیا ثم رفعاها من ركبتیها وكتفیها وحملاها خارج الغرفة كأنها
كیس من الخیش. واستطاع ونستون أن یرى وجهها بلمحة خاطفة،

كان وجهها منكفئاً شاحب اللون مغلق العینین بینما كانت آثار الصباغ الأحمر لا زالت عالقة بوجنتیها وكان هذا هو آخر ما رآه منها. أما هو فقد بقي واقفاً وكأن على رأسه الطیر، ولم یكن قد
ضربه أحد بعد. لكن ثمة أفكار أخرى كانت تنبجس بسرعة في خاطره، فتساءل عما إذا كانوا قد ألقوا القبض على السید شارنغتون، وعما فعلوه بالمرأة التي كانت في الساحة. ودهش لإحساسه بالحاجة الماسة إلى التبول مع أنه لم یكن قد انقضى غیر ساعتین أو ثلاث على تبوله آخر مرة، كما هاله أن الساعة كانت تشیر إلى التاسعة مساء بینما كانت الأنوار ما زالت مضاءة على غیر العادة في ذلك الوقت من أغسطس، وتساءل عما إذا كان هو وجولیا قد أخطآ تقدیر الوقت وناما حتى التاسعة من صباح الیوم التالي، لكنه لم یتابع هذه الفكرة لأنها لم تكن ذات فائدة. وبعدئذ سمع ونستون وقع خطى أخف على الأرض، إنه السید شارنغتون وقد دلف إلى الغرفة، وللتو بدت علامات الخضوع على وجوه الرجال ذوي الزي الأسود، كما بدا أن ثمة تغیراً قد طرأ على هیئة السید شارنغتون الذي وقعت عیناه على شظایا الثقل الزجاجي، فقال بحدة:

- اجمعوا هذه الشظایا.
وانحنى أحد الرجال منفذاً الأمر. وكانت لهجة أحیاء لندن الفقیرة قد اختفت لدیه، وفي الحال أدرك ونستون من هو صاحب الصوت الذي كان یصدر عن الشاشة منذ دقائق. كان السید شارنغتون لا
یزال یرتدي معطفه المخملي العتیق ولكن شعره الأبیض كان قد صار أسود، كما لم یكن یرتدي نظارته. وحدج ونستون بنظرة حادة كما لو أنه یتحقق من هویته، ثم لم یعره بالاً بعد ذلك. وفطن ونستون إلى أن ثمة تغییرا قد طرأ على السید شارنغتون، فقد غدا منتصب القامة وبدا أن جسمه قد أصبح أكثر امتلاء. أما وجهه فلم تطرأ علیه غیر تغییرات طفیفة لكنها مع ذلك غیرت ملامحه تغییراً كاملاً، فقد بدا حاجباه أقل كثافة، واختفت التجاعید من وجهه، لقد تغیرت كل تقاسیم وجهه بل حتى أنفه قد بدا أقصر مما
كان علیه. إنه وجه بارد یوحي بأن صاحبه لا یتجاوز الخامسة والثلاثین من عمره، وسرعان ما تنبه ونستون أنه ولأول مرة في حیاته یرى رأي العین عنصرا من عناصر شرطة الفكر.

لم یكن ونستون یدري أین هو! كان یُفترض أنه في وزارة الحب، لكن كیف السبیل للتحقق من ذلك.
كان قابعاً في زنزانة عالیة السقف لا نوافذ لها، وكانت جدرانها مغطاة بالخزف الأبیض اللامع، وكانت كانت مصابیح مخفیة تغمرها بفیض من الضوء الباهر، كما كان هناك طنین مستمر ظن
ونستون أن له علاقة بفتحات التهوئة بالزنزانة. وبمحاذاة جدران الزنزانة امتد مقعد خشبي مستطیل لا یتسع عرضه للجلوس علیه إلا بصعوبة، وفي الجانب المقابل للباب كان هنالك مرحاض بلا
كرسي یستعمل لقضاء الحاجة، وفي كل جدار من جدران الزنزانة الأربعة ثبتت شاشة رصد.
وكان ونستون یشعر بألم مبرح ومتواصل في بطنه رافقه منذ أن اقتادوه وقذفوا به في الشاحنة المغلقة التي نقلته. ولكنه كان یشعر أیضاً بجوع قارص وشدید، فلربما مضى على آخر مرة ذاق فیها طعاماً أربع وعشرون أو ست وثلاثون ساعة. ولم یستطع، كما لن یتسنى له، أن یعرف إن كانوا قد ألقوا القبض علیه في الصباح أو المساء.
جلس ونستون فوق المقعد لا یحرك ساكناً وقد عقد ذراعیه حول ركبتیه، وكان قد تعلّم أن یجلس بلا حراك بعدما أدرك أن أي حركة غیر متوقعة یأتي بها تجعل صوتاً ینبعث من شاشة الرصد ینهره عن ذلك. واشتدت وطأة الجوع علیه، ومع ذلك لم یشته أكثر من كسرة خبز تذكر أن لدیه بعضاً منها في جیب معطفه كان یشعر بها من حین لآخر تخز ساقه. وبعد طول تردد، تغلب إحساسه بالجوع على خوفه فدس یده في جیبه.

ولم یكد یفعل حتى استوقفه صوت صارخ من شاشة الرصد:
«سمیث! سمیث ونستون رقم 6079، أخرج یدك من جیبك، هذا غیر مسموح به في الزنزانة!»
فعاد إلى سكونه الذي كان علیه وعقد ذراعیه حول ركبتیه. وتذكر كیف أنهم قبل أن یجیئوا به إلى هنا قد ذهبوا به إلى مكان آخر یرجح أنه سجن عادي أو مركز توقیف تستخدمه الدوریات، لكنه لم یستطع أن یعرف كم من الوقت أمضى هناك فقد كان یتعذر علیه قیاس الوقت، كان مكاناً صاخباً تتصاعد منه روائح كریهة.
كانت زنزانة أشبه بتلك التي یقبع فیها الآن وان كانت أشد قذارة وتكتظ بعشرة أو خمسة عشر سجیناً أغلبهم من المجرمین العادیین وقلیلهم من السجناء السیاسیین. وهناك جلس صامتاً وقد أسند ظهره للحائط فیما كانت تزاحمه أجساد قذره، ورغم أن الخوف والألم قد استحوذا علیه وصرفاه عن كل ما حوله، فقد استطاع ملاحظة الفارق الواضح بین تصرفات السجناء من أعضاء الحزب وتصرفات السجناء العادیین، فالسجناء الحزبیون كانوا دائماً یلزمون الصمت وتبدو علیهم علامات الخوف والرعب، أما
المجرمون العادیون فكانوا لا یأبهون ولا یبالون بأحد حتى أنهم كانوا یكیلون السباب للحراس، ویدافعون عن أمتعتهم بشراسة ویكتبون الكلمات البذیئة على الأرض ویأكلون الطعام المهرب من خارج السجن بل وكانوا یصرخون في وجه شاشة الرصد حینما توجه إلیهم عبرها الأوامر بالتزام الهدوء. ومن جهة أخرى كان بعضهم یبدو وكأنه على علاقة تفاهم مع الحراس فینادونهم بأسمائهم رافعین الكلفة فیما بینهم ویحصلون على السجائر عبر ثقوب التجسس التي في الباب، كما كان الحراس یعاملون المجرمین العادیین بشيء من الصبر والأناة حتى حینما كانت الظروف تقتصي الغلظة معهم. وكانت تدور بینهم أحادیث كثیرة حول معسكرات الأشغال الشاقة وهي المكان الذي یساق إلیه غالبیة السجناء، ومن هذه الأحادیث استشف ونستون أن الحیاة في هذه المعسكرات لا بأس بها إذا استطاع السجین أن یكون علاقات جیدة وأن یعرف كیف یصرف أموره داخل المعسكر. وكانت ممارسات مثل الرشوة والمحاباة والعربدة بكل ألوانها، والشذوذ الجنسي والدعارة تتفشى داخل هذه المعسكرات، بل كان یتم الحصول على المشروبات الروحیة عبر تقطیرها من البطاطس.
ولم یكن أحد یحظى بثقة الحراس إلا المجرمون العادیون
وبالأخص القتلة وأفراد العصابات منهم والذین كانوا یمثلون شكلاً من أشكال الأرستقراطیة. وأما المجرمون السیاسیون فقد كان یعهد إلیهم بجمیع الأعمال القذرة.
ورأى ونستون أن سجناء من شتى الألوان یفدون إلى السجن أو یخرجون منه في حركة لا تتوقف، فمنهم تجار المخدرات واللصوص وقطاع الطرق وتجار السوق السوداء ومدمنو الخمر
والعاهرات. وكان بعض مدمني الخمر یصلون إلى حالة من الانفلات تضطر بقیة زملائهم للتكتل ضدهم والسیطرة على هذا العنف، كما یذكر أن أربعة حراس قد جاؤوا بامرأة ضخمة الجسم
یناهز عمرها الستین وذات شعر أشیب ونهدین كبیرین وكانت تقاومهم بعنف وتصرخ فیهم وهم یجرونها إلى الزنزانة من أطرافها الأربعة، وفي النهایة جردوها من حذائها الذي كانت تركلهم به ثم دفعوها بعنف فسقطت فوق حجر ونستون وكادت تكسر عظامه، لكنها نهضت واندفعت نحو باب الزنزانة وهي تلعن الحراس وتسبهم بأقذع الكلمات، وحینما انتبهت إلى أنها كانت تجلس على شيء غیر مستو انزلقت عن ركبة ونستون إلى المقعد قائلة:
«معذرة یا عزیزي، ما كان یجب أن أجلس فوق ركبتیك، ولكن هؤلاء الأوغاد هم الذین دفعوني. إنهم لا یعرفون كیف ینبغي أن یعاملوا سیدة»، ثم توقفت عن الكلام وضربت بیدها على صدرها وهي تقول: «معذرة فلست في حالة طبیعیة».
وانحنت إلى الأمام وتقیأت على الأرض.
وبعد ذلك أسندت ظهرها إلى الحائط مغمضة عینیها وقالت: «هذا أفضل، إیاك أن تبقیه في معدتك، یحسن بك أن تتخلص منه وهو طریاً».
وحینما هدأت قلیلاً، التفتت لتلقي نظرة أخرى على ونستون، وبدا أن آصرة من نوع ما قد جعلتها تمیل إلیه فأحاطت كتفیه بذراعها وجذبته نحوها وهي تنفث في وجهه بأنفاس مشبعة برائحة الجعة
وحموضة القيء. وسألته: «ما اسمك عزیزي؟»
فأجاب: «سمیث».
فقالت: «سمیث؟ هذا أمر عجیب، إن اسمي سمیث أیضاً»، ثم أضافت بنبرة حانیة: «ربما كنت أمك!»
وجال بخاطر ونستون أنه من المحتمل فعلاً أن تكون أمه، فقد كانت في مثل عمرها وجسمها وإن كان من الوارد أن بعض التغییر قد طرأ علیها بعد عشرین سنة أمضتها في معسكر
الأشغال الشاقة.
وما من أحد آخر تحدث مع ونستون، إذ كان المجرمون العادیون یتجاهلون السجناء السیاسیین تجاهلاً یثیر الدهشة، بل وینظرون إلیهم نظرة ازدراء. وأما السجناء السیاسیون فكانوا دائمي الصمت فهم یخشون الكلام مع أي من المجرمین العادیین، كما أنهم أشد خشیة من الكلام بعضهم مع بعض. ولم یحدث سوى مرة واحدة أن استرق السمع لحدیث هامس دار بین سجینتین من سجینات الحزب ولم یفهم منه سوى أنه كان یدور حول ما یدعى بالغرفة ( 101) لكنه لم یدرك المغزى.

يتبع....

اذا لم تجد تكملة الرواية في الاسفل, اذهب للصفحة الرئيسية للموقع واستخدم البحث

Telegram