قصة  هروب من التجريح إلى الجحيم

قصة هروب من التجريح إلى الجحيم

قصص اجتماعية

تزوجت لأنها اقتنعت وأحبت ، لم تكترث للأحلام الجامعية المحلقة في الأفق ، فقد تركتها خلفها طواعية ، دون رجعة وندم ، لم تتخيل ولو في أسوأ كوابيسها ، أن ذلك الحمل الوديع الذي أسرها وخطفها من أحلامها سيتحول إلى وحش مفترس ، يفترس روحها بكلامه الجارح ، والقاتل ويدمي جسدها بكدمات ، تعجز في بعضها عن الاستيعاب ، وتغيب في أخرى عن الوعي


من أجل الحب :
حاولت تفادي نوبات بذاءته ولؤمه دون جدوى ، جعلها المسئولة عن فشله ، وخيباته المادية وانهزاميته ، التي غابت عن فراستها بسبب عمى الحب والاقتناع ، اعتقدت أن مجيء طفلتيها سيلقي بالانفراج أخيرًا ، على سلوكه الشاذ والمنفر ، وينزع به ليكون شخصا سويا ومسئولا ، لكن الوضع ازداد سوءا .. تفاقمت حدة التجريح والعنف وغدت تتعرض لسوء المعاملة أمام عيون طفلتيها الجزعتين ، ذبل وجهها وشحب شبابها أمام صدمتها في الشريك الذي اختارته ، وعارضت أهلها وتركت كل شيء خلفها من أجله


شبح الطلاق :
لم تجرؤ أن تشكيه لأهلها ، أو تندب حظها العاثر أمامهم ، لتعلن فشلها في الاختيار ، حتى استفحل الوضع ، وأصبح العنف لغته اليومية الصارخة والضاربة ، لتنهار مقاومة جسدها النحيل ، وتفرغ روحها من أي رغبة في الاستمرار والبقاء ، فاستسلمت أخيرًا وطلبت الطلاق


ابتزاز:
ولكي يوافق دون مشاكل أو خسائر إضافية ، ابتزها لتتنازل عن كل حقوقها ، بما في ذلك حقها في أمومة وحضانة طفلتيها ، ولأنها أفرغت من كل حس ، وافقت لتفر بما تبقى منها ، وكما تركت كل شيء خلفها لتركض لهفة ورغبة إليه .. تركت

كل شيء حتى طفلتيها ، لكي تهرب منه ارتياعا وذعرًا !! حتى عائلتها لم تجدها نصيرة لها في هذه النكسة ، بل طلبت منها البقاء وتحمل الوضع الذي كان اختيارها الحر من البداية


حياة جديدة وحزن داخلي :
استقر بها المقام أخيرًا بمدينة البيضاء ، في غرفة بشقة في الطابق الرابع ، تضم ثلاث غرف أخرى لفتيات متفرقات ، يجمعهن بهو ومرحاض مشتركان ، ومعاناة تشابهت في الألم والخيبة واختلفت في التفاصيل ، وجدت عملاً بمؤهلها الجامعي ، صحيح أنه بالكاد يكفيها ، لكن على الأقل يوفر أجرة الغرفة ومستلزمات العيش والملبس ، تستيقظ كل صباح باكر على الأغاني الرومانسيه الناعمة ، وتتمايل بجسدها الأسمر الممشوق ، وتردد مع كلمات الأغنية


وعلى مائدة فطورها فنجان قهوة سوداء وعلبة سجائر ، تمج باستمتاع مؤلم سيجارتها وعيناها مغمضتان ، ورأسها يتمايل بوجع راقص على وقع الكلمات التي تحس بها وكأنها تخاطبها ، تطلق دخان سيجارتها ، الذي تحاول معه اخراج شوقها الأمومي الجارف لطفلتيها ومعه ، تنزل دموع حارقة تبتلعها مع قهوتها المرة التي تصبح مالحة دون سكر !!طقوس صباحية :
لا يخرجها من طقسها الصباحي الوفية له ، إلا مداهمة وقت المغادرة للعمل ، فتلقي الوجع خلفها وترسم ابتسامة مزيفة البريق على ملامحها السمراء ، وكأنها أسعد النساء وأوفرهن حظًا ، تغيرت بعد طلاقها ، كانت تحلم بحياة كريمة تحققها بوظيفتها ، وتكسب احترام نفسها وطفلتيها وعائلتها ، لكنها صدمت بواقع يمنح القليل ويأخذ الكثير ، منحها سجائر ، ومعاقرة الخمر ، والإشباع المحرم للجسد ، هروبا من فجيعتها وشوقها القاتل الأمومي ، لتعود إلى غرفتها وحيدة ، تحمل في أعماقها جوعًا جارفا لأحاسيس الاعتزاز والفخر بالذات ، ومتعة الحلال وارتياح الضمير


أمنية :
ومع كل انتكاساتها ، لازالت تحمل وتحلم بأمنية كاسمها ، أمنية ..أنها ذات يوم تحقق حياة كريمة ومستقرة ، وتعيد طفلتيها إلى حضنها الجائع للأبد ، نصيحتى لكن يا بنات حواء ، أثناء الهبوط من وضع يجرحنا نهرب دون هوادة ، دون أن ننتبه أو نفكر في الوجهة التي نهرب إليها ، كل همنا الالتفاف المرعوب للوراء


لنتأكد أن الذي يفر منه لا يطاردنا ، وأننا تركنا مسافة أمان لا يصل فيها إلينا ، ولا ننتبه للسفح الذي نوشك على الوقوع فيه بخسائر لا تحمد عقباها ، نفر من جبهة واحدة ، لتفتح أمام أعيننا جبهات متعددة ، تستمتع كل واحدة منها ، بأخذ نصيبها من عذابا وتدميرا ، الهروب ليس الحل الأنجح في الغالب ، بل المواجهة المسلحة : بالعقل والحب والحيلة والصبر والمرونة والانحناء أثناء قدوم العاصفة ، هم اللذين يضمنون البقاء والاستمرار


هروب من التجريح إلى الجحيم :
الرجل يحقق النصر الساحق على المرأة ، عندما يجردها من شراستها الضاربة وهي تقاوم للاحتفاظ بحق أمومتها ، وحقها الشرعي والمشروع في اشباع أنوثتها في إطار كريم ، خارج الإذلال والحرام والخطيئة



Telegram