قصة  لون الماء

قصة لون الماء

قصص اجتماعية

تيت ، تيت ، تيت .. صفارات الإنذار المتقطعة تعلن عن حالة الخطر ، الظلام الذي يحصد أنوار الشوارع ، والبيوت المتناثرة ، المارة يهرولون للاحتماء بالملاجئ ، أو قيعان سلالم المنازل ، ابتلعت السيارات أضواءها ، توقفت تمامًا عن السير ، إلا أن ساحة التجمد لم تخلو من تمرد بعض السائقين ، صوت الطائرات المحلقة يقترب من الصفير المتقطع


الغارة والبضاعة :
أبواق السيارات تزيح صراخ المراقبين للنظام ، مازال جرس الترام يعيش على أمل اللقاء بالمحطة القادمة ، النداء الغنائي لمحمدين الفاكهاني يتهادي في إحدى الحارات الضيقة ، لا يعبأ بالظلام ، وأزيز الطائرات المحلقة ، ، يقترب منه أحد المراقبين : هيا.. يا محمدين إلى أقرب ملجأ ! أجاب : أهرب وأترك البضاعة لمن ؟ قال له : وماذا سيحدث للبضاعة ؟ الغارة الماضية لم يترك لي أولاد ال…. برتقالة واحدة !أنفاق الخوف :
قال له : هيا يا رجل ، الوقت يمر… الطائرات تقترب ، عجبًا والله ! .. وهل تستهدف الطائرات الفاكهة هذه الأيام ! تيت.. تيت.. تيت.. بقلب الظلام تسرب بخار الأنفاس المتهالكة على بقايا زجاج النوافذ ، القلوب الخافقة تلف الأصوات الوليدة ، القلق يزحف على جدران الصفيح ، الهمهمات تتواثب من الأفواه المعتمة ، مازال السائق يتلاعب بآمال التحرك ، يملأ الرنين أنفاق الخوف الغائرة بين الصدور


السائق والمقاعد الخاوية :
الكمسري ، يكف عن دق صندوق أوراق التذاكر ، ينادي السائق : أغلق الأبواب يا عم فرج .. نسيت أن الأبواب مزرجنة ؟ والله هذا قطع عيش ، أجاب : سيبها على الله الدنيا بخير .. تذاكر .. تذاكر ..

تذاكر يا حضرات .. تحسس المقاعد فإذا بها خاوية !ألوان متعددة للون الواحد :
تيت ..تيت .. تيت .. تحت النهر العائم على الأرواح الهاربة بقبر الحياة ، تتلاحم الأجساد الساخنة بالقرب من الجدران ، يسقط بعض الضوء على أنصاف الوجوه ، بلون من الماء تتلون الأنصاف الأخرى ، دمعات ..حبات العرق ..رضاب الخوف ..ألوان متعددة للون الواحد ، تتساقط الآلام بين الهجمات المتتابعة


يا حضرات ، أطفئوا السجائر ، فتحات التهوية غير كافية ، قال احدهم : والله هذا خراب بيوت ، منذ الصباح لم أبع سوى خمس جرائد ، قال آخر : لقد تأخرت على الوردية ، وكل يوم خصم من الراتب ، قال آخر : لا أدري ماذا أفعل ؟ أولادي وحدهم بالبيت ، والصغير لم يرضع، ورد عليهم آخر : حتى المقاهي أغلقوها ، كنت أسترزق بدهان زوجين أو ثلاثة أو أربعة من الأحذية !علم وجاري التنفيذ :
أتسمعون ؟ مضادات الطائرات تنطلق ، كانوا ثلاثة في عام 56 الآن .. واء ..واء ..وااااء ، الصفارات الطويلة تعلن عن زوال الخطر ، من نسر إلى صقر .. من نسر إلى صقر ..حول ، صقر يسمعك بوضوح ..حول ، ما آخر تطورات الوضع ؟ تم تحديد إحداثيات الأهداف ، وننتظر الأوامر؟ افتح النار .. علم وجاري التنفيذ



Telegram