قصة  لحظة عشق

قصة لحظة عشق

قصص اجتماعية

الله هو الحب ، سمع جدته تردد هذه الكلمة كثيرًا ، الحب هو الله ، قال رجل الطائفة الدينية التي ينتمي إليها ، برم شفتيه ، ثم ابتسم باستخفاف ، فهو لم يكن يؤمن لا بالله ولا بالحب ، كفر بهما ، لأنه لا يؤمن إلا بما يلمس ويشم ويذاق أما ما وراء ذلك فهو بالتصديق به ضنين


قضية علمية بحتة :
فهو مؤمن فقط بالملموسات والحقائق والنظريات العليمة ، لذا قليلاً ما يبالي بالمشاعر والأحاسيس واللحظات الجياشة ، وكتب في أول كتبه في الإلحاد ، وهو كتاب لاقى ضجة عالمية كبيرة ، أين هما الله والحب ؟حتى حين زحف المرض على قرنيتي عينيه ، والتهمهما دون رحمة ، تابع القضية على أنها قضية علمية بحتة ، قرأ التقارير ، وراجع الأطباء ، وبدأ يهيئ الترتيبات الجديدة لحياته المظلمة القادمة ، وجاء العمى ، وجاء باردًا رتيبًا ، لا مباليًا بعجزه وبغضبه ، وساد الظلام !الشعور بالوحدة والعجز :
أحس لأول مرة بأنه وحيد ، تمنى أن تمتد له يد من الظلام ، يد دافئة تذيب صقيع العمى ، أرادها يدًا سماوية جبارة ، كاد يتضرع لقوة عظمى اسمها الله ، لكن من جديد تبددت هذه القوة في نفسه ، ولم تستطيع مداركه المغلقة دونها أن تمتصها ، وأن تذيبها في كيانه


الطبيب والمتبرع :
وغدت الحياة رتيبة مظلمة ليس فيها إلا صوت لا تمت إلى ذاته بشيء ، حاول جاهدًا أن يقهر نفسه لتتعامل مع العمى على أنه حالة خاصة تحتاج لتدبيرات قاسية ، لكنه كان على خجل واستحياء وحيطة يصل بطبيبه ليسأل عن العملية التي يرتقبها ،

فيجيب الطبيب الإجابة التي ألفها ، وبات يأمل في كل مرة أن لا يسمعها ، يقول بصوت وجل هادئ : لم يظهر متبرع بعد ؟انتحار وشفاء :
وجاءت اللحظة ، جاءت حارة مثيرة بألوان زاهية ، ولكنها في طبق أسود مجلل بالموت ، فقد انتحرت شابة صغيرة ، وتركت في رسالة انتحارها أنها تتبرع بقرنيتيها للمستشفى الذي يقبع فيه اسمه على قائمة انتظاره للتبرع


صورة الفتاة السمراء :
وبعد عملية مألوفة وطويلة ، عاد النور إلى عينيه وهما تحتضنان قرنيتي شابة أسرها الموت منذ أيام ، عادت الألوان لبريقها وألوانها ، وحملت بعودتها صورة لا تفارق ذهنه ، صورة لفتاة سمراء صغيرة الجسد ، كثيفة الوجه ، هادئة الملامح كانت صورتها تلح على مخيلته دون رحمة


وتظهر أمام عينيه في كل الأماكن ، وفي كثير من الأوقات ، دون أن تسعفه الذاكرة ليتذكر أين رآها ، في البداية كان ينزعج من هذه الصورة ، التي تغشى عينيه ، راجع طبيبه ، الذي قال أنه لا يوجد سبب طبي لما يراه ، وأن عليه مراجعة طبيب نفسي ، لكنه ضرب صفحًا عن نصيحة طبيبة ، وبات دون أن يقصد يألف السمراء التي تنزل في نور عينيه


الزيارة :
أشعة الشمس داعبت سمراء عينيه عندما دلفت سكرتيرته إلى مكتبه الفارة ، وقالت له : لا تنس يا أستاذ حكيم موعد اليوم ، تنبه إلى جملة السكرتيرة ونظر بلا مبالاة ، وقال : أي موعد ؟ قالت السكرتيرة ، وهي تراجع أجندة المواعيد : اليوم الساعة أربعة مساءًا حددت موعد حسب طلبك ، لزيارة والدة الشابة التي تبرعت لك بقرنيتها ، قال دون تحمس : نعم تذكرت ، هل جهزت الزهور التي طلبتها لهذه الزيارة ، قالت : نعم يا سيدي ، والسيارة في انتظارك أيضًا


المنتحرة والملحد :
أرادها زيارة سريعة لكنه شعر بروح غريبة تستحوذ على إرادته وحواسه وهو يجلس في غرفة الشابة المنتحرة ، غرفة هادئة يغلب اللون الوردي على محتوياتها ، جلس على كرسي مكتبها ، كانت رسالة الانتحار مازالت على المكتب ، جلست والدتها الحزينة على طرف سريرها ، إلى جانب الزهور التي جاءت مع الضيف الملحد ، قالت الأم دامعة : كانت رقيقة كبسمة ، محبة للحياة ، متفائلة كانت مصدر سعادتي وبهجتي ، لا أعرف لماذا انتحرت ؟مرض و استعجال الفراق :
حار فيما يقول في هذه اللحظة ، أيشكرها لأنها وهبته قرنيتي بنتها ، أم يغادر دون أن يقول شيء ؟ صوت الأم قطع عليه التفكير ، قالت : لقد ولدت بقلب مريض ، كانت تعرف أنها ستموت في أي لحظة ، سيتوقف قلبها في أي لحظة ، لأنه أضعف من أن يستمر ، لكن لماذا استعجلت اللحظة ؟هبه :
واستغرقت الأم في نحيبها فانتقل حكيم من مكانه إلى جانب الأم وأخذ يكفكف دموعها ، من جديد عادت صورة السمراء في عينيه ، جحظت عيناه ، وتسمر مكانه ، كانت عيناه مسلطتان على صورة فوتوغرافية إلى جانب سرير المنتحرة ، تناول الصورة ، وبيدين متعرقتين ، ومرتعشتين قال : من هذه السمراء ؟ قالت الأم وهي تجفف دموعها : هذه هبه ، ابنتي المنتحرة لقد كانت هي ، نعم الصورة التي لم تفارق مخيلته


لحظة عشق :
صمت بعمق ، ثم غادرت الأم الغرفة ، أخذ حكيم يتعرف على محتويات الغرفة ، وجد في درج مكتبها العشرات من الرسائل المعنونة بعنوانه ، التي لم تبعث أبدًا ، قرأها مرة وثلاثة وعشرة ، كان بها حب كبير ، عرف أنها كانت تعمل معه في المؤسسه الصحافية التي يعمل بها ، دون أن تكلمه ، ولكن كل كتبه ومقالاته كانت في مكتبها ، عرف أنها أحبته ، وعرف أنه صممت بقلبها المريض الذي لم يستطيع الانكسار ، وأنها كانت تتابع حالته جيدًا ، وعلمت بتوافق أنسجتها معه ، وعندما جاء الدور عليه في الانتظار قررت الانتحار للتبرع !رسالة انتحار :
قرأ رسالة انتحارها بعدما فك طلاسمها ، وقد كتبت فيها : عندما تنعم عيناك بالنور ، تأكد أنك نعمت دائمًا بحبي ، أنا متأكدة من أنك ستقرأ يوما رسالتي ، وعندها سوف تعلم كم أحببتك ! على مكتبها رأى نسخة من كتابه المشهور ، فتح الصفحة الأولى ، كان مكتوب تحت العنوان بخط نسائي رقيق :الله هنا في قلبي ، تناول قلمه الفاخر ، وكتب في ذات الصفحة : إلى حبيبتي هبة عاشقك إلى الأبد حكيم ، أقفل الكتاب أسند ظهره على الكرسي الخشبي واستسلم لبكاء جارف دون خجل ، وضم صورة هبة إلى قلبه الذي بدأ يدق بانفعال وقوة



Telegram