رواية 1984 لجورج أورويل : القسم الثالث والثلاثون

رواية 1984 لجورج أورويل : القسم الثالث والثلاثون

رواية 1984 لجورج أورويل كاملة

وكانت حدة العمل قد خفت في كل مكان في التوقیت نفسه وتنفس جمیع موظفي القسم الصعداء خفیة، لما لا وقد تم إنجاز عمل جبار لم یكن أحد یتصوره، وأصبح في حكم المستحیل على أي إنسان أن یأتي بدلیل وثائقي یثبت أن حرباً ما وقدت بین أوقیانیا وأوراسیا.
وفي الساعة الثانیة عشرة أعلن على نحو مفاجئ أن جمیع الموظفین في الوزارة فيحل من أمرهم حتى صباح الیوم التالي.
كان ونستون، الذي ما یزال یحمل الحقیبة المحتویة على الكتاب فیضعها بین قدمیه أثناء ساعات العمل وتحت جسمه أثناء نومه، قد مضى إلى البیت، وهناك حلق ذقنه وكاد ینام في الحمام رغم أن الماء لم یكن ساخناً، وقرر الذهاب إلى المخبأ.بشيء من الصریر المثیر للرغبة في مفاصله راح ونستون یصعد السلم المؤدي إلى غرفته الكائنة فوق حانوت السید شارنغتون.
وحینما دلف إلى الغرفة أحس بإعیاء شدید ولكنه لم یشعر بأیة رغبة في النوم. فتح النافذة وأشعل موقد الزیت ووضع غلایة الماء على النار وراح ینتظر قدوم جولیا. وفي أثناء ذلك تذكر الكتاب فجلس في مقعد بائس ذي ذراعین وفك حزامي الحقیبة.أخرج منها مجلداً أسود ثقیلاً، ملفوفاً بعنایة، ولا یحمل اسماً أو عنواناً، وبدت طباعته أیضاً غیر عادیة. وكانت الصفحات مهترئة عند أطرافها لكن تقلیبها لم یكن یحتاج إلى عناء كلما لو أن أید كثیرة قد تداولته. وكان عنوان الصفحة الأولى یقول ما یلي:
حكم الأقلیة الطاغیة نظریةً وتطبیقاً بقلم إیمانویل غولدشتاین

وراح ونستون یقرأ: الفصل الأول الجهل هو القوة عبر التاریخ المعروف للإنسان، بل وربما منذ نهایة العصر الحجري، كان هنالك ثلاث فئات من البشر أو بالأحرى ثلاث طبقات في العالم: العلیا والوسطى والدنیا، وقد قسمت

هذه الطبقات فیما بینها طبقات أخرى فرعیة، وحملت أسماء مختلفة لا حصر لها ولا عد، أما النسب التي تمثلها وكذا مواقفها إزاء بعضها البعض فقد تباینت من عضو لآخر، غیر أن التركیبة الأساسیة للمجتمع ظلت كما هي لم تتغیر أبداً، بل حتى بعد اندلاع الثورات العارمة وما أحدثته من تغیرات تبدو لا رجعة عنها، فان في ذلك النموذج یعود فیؤكد نفسه مثلما تفعل مروحة السفینة التي تعاود توازنها سواء أدرتها في هذا الاتجاه أو في ذاك.

وأما أهداف هذه الطبقات فكانت متضاربة ولا یمكن التوفیق بینها على الإطلاق ...وتوقف ونستون عن القراءة ریثما یستوعب حقیقة أنه أضحى یقرأ مرتاح البال وآمناً على نفسه، وأن خصوصیته محفوظة، فلیس هنالك شاشة رصد مسلطة علیه ولا أذن تسترق السمع من وراء حجاب، ولا هاجس عصبي یجعله ینظر وراءه ولغطي بیده صفحة یقرأها.

كانت نسمات الصیف العلیلة تداعب وجنتیه، ومن مكان بعید كانت تتناهى لسمعه أصوات خافتة لأطفال في الشوارع، وأما في الغرفة نفسها فلم یكن هنالك غیر صوت دقات الساعة، ولذا فقد استرخى في مقعده واضعاً رجله على حاجز المدفأة وأحس كما لو أنه في جنة الخلد. وفجأة وكما یفعل المرء بكتاب یدرك أنه لا بد أن یقرأه مرات ومرات، فقد راح ونستون یتصفح الكتاب سریعاً حتى بلغ الفصل الثالث منه فاخذ یقرأ:
الفصل الثالث الحرب هي السلام إن انقسام العالم إلى ثلاث دول عظمى حدث كان یمكن التكهن به قبل منتصف القرن العشرین؛ فمع ابتلاع روسیا لأوروبا، وابتلاع الولایات المتحدة للإمبراطوریة البریطانیة، فإن اثنتین من القوى العظمى الثلاث، هما أوراسیا وأوقیانیا، قد برزتا فعلیا إلى الوجود، أما القوة الثالثة وهي إیستاسیا فلم تظهر كوحدة مستقلة واضحة المعالم إلا بعد عقد من الزمن تخلله اقتتال فوضوي، وكانت الحدود القاصلة بین الدول العظمى الثلاث في بعض البقاع عشوائیة بینما كانت في البعض الآخر تتباین حسب رجحان كفة كل دولة أثناء التحارب، وإن كانت في أغلب الأحیان تتبع خطوطاً جغرافیة.

وتتألف أوراسیا من تلك الأراضي الشاسعة شمال أوروبا وآسیا والتي تمتد من البرتغال إلى مضیق بیرینغ، أما أوقیانیا فتضم الأمیریكتین وجزر المحیط الأطلنطي بما فیها الجزر البریطانیة وأسترالیا والجزء الجنوبي من أفریقیا، في حین كانت إیستاسیا أصغر مساحة من الدولتین الأخریین وذات حدود غربیة اقل تحدیداً، وتتألف من الصین والأقطار الواقعة جنوبها ومن الجزر الیابانیة وشطر كبیر من منشوریا ومنغولیا وهضبة التبت وكانت تتغیر مساحتها حسب سیر العملیات الحربیة.
وكانت هذه الدول العظمى الثلاث في حالة حرب مستمرة مع تغیر في التحالفات والعداءات، وعلى مدى الخمس والعشرین سنة الماضیة لم تتوقف رحى الحرب التي لم تعد ذلك الصراع المتهور الذي یهدد بقاء الجنس البشري كما كان علیه الحال في العقود الأولى من القرن العشرین، وإنما كانت حربًا ذات أهداف محدودة بین دولتین متحاربتین لا تملك أي منهما القدرة على تدمیر غریمتها ودون أن یكون لدى أي منهما سبب واضح للاقتتال، كما لم تكن بینهما خلافات أیدیولوجیة حقیقیة.

لكن هذا لا یعني أن سیر الحرب أو الموقف منها قد أصبع أقل تعطشاً للدماء أو أكثر شهامة ونبلاً، بل على النقیض من ذلك، أصبحت الحرب أشبه بهستیریا متواصلة استشرت في جمیع البلاد،
وأصبح الشعب ینظر إلى جرائم الاغتصاب والسلب والنهب وذبح الأطفال وتحویل سكان الطرف المهزوم عن بكرة أبیهم إلى عبید، والانتقام من الأسرى بشتى الوسائل التي قد تبلغ حد حرقهم أحیاء أو غلیهم في الماء، باعتبارها حقاً طبیعیاً ویستحق الثناء ما دام مرتكبوها هم الطرف الذي یؤیده الشعب ولیس العدو.
ولكن الحرب من ناحیة أخرى لم تعد تشمل على أعداد محدودة للغایة من قوات خاصة جیدة التدریب لا تتسبب في خسائر فادحة مقارنة بالحروب السابقة. وكانت رحى الحرب حینما تدور فإنها تدور في مناطق حدودیة غامضة لا یعرف المواطن العادي عنها غیر تكهنات وتخمینات، أو حول القلاع العائمة التي تحرس نقاطاً استراتیجیة في المضائق والموانئ البحریة. أما في المدق الكبرى فالحرب لا تعني أكثر من تناقص مستمر في السلع الاستهلاكیة وسقوط القذائف الصاروخیة التي قد تودي بحیاة العشرات من الأشخاص من حین لآخر.
وفي واقع الأمر یمكن القول إن طبیعة الحرب قد تغیرت، أو إذا شئنا الدقة فإن الأسباب التي من أجلها تُشن الحروب قد تغیر ترتیبها على سلم الأولویات، فالدوافع التي كانت حاضرة حضوراً خافتاً في الحروب العظمى التي اندلعت في أوائل القرن العشرین باتت الیوم هي الدوافع الأبرز والمحركة لرحى الحروب.ولكي نفهم طبیعة حروب الیوم - والتي ورغم أن خریطة التحالفات لا تفتأ تتغیر كل بضع سنوات، فإنها جمیعاً متشابهة - فعلى المرء أن یقر أولاً بأن الحرب لم تعد تحسم أي صراع، فما من دولة من بین هذه الدول العظمى الثلاث یمكن قهرها تماماً حتى لو اجتمعت الدولتان الأخریان معاً، فهنالك توازن قوى بین ثلاثتهم فضلاً عن أن لكل واحدة منها دفاعاتها المنیعة؛ فبینما تحتمي أوراسیا بأراضیها البریة الشاسعة وتحتمي أوقیانیا بالمحیطین الأطلنطي والهادئ، فإن إیستاسیا تحتمي بكثرة سكانها وتفانیهم في العمل،
ثم ثانیاً لم یعد هنالك ذلك الشيء المحسوس الذي یستحق الاقتتال حوله. وفي ظل اقتصادات الاكتفاء الذاتي والتي یتوازن فیها الإنتاج والاستهلاك فقد توقف التسابق على الأسواق والذي كان سبباً أساسیاً في نشوب الحروب في الماضي كما لم یعد التنافس على المواد الخام مسألة حیاة أو موت، فكل دولة من هذه الدول العظمى الثلاث هي من الاتساع بحیط یمكنها تدبیر احتیاجاتها من هذه المواد من أراضیها ذاتها. وإذا كان لا بد للحرب من دوافع اقتصادیة مباشرة، فقد أضحى ذلك ینحصر في الصراع من أجل الحصول على الأیدي العاملة. وفیما بین هذه الدول هنالك تخوم لا تخضع لسیطرة واحدة منها دون الأخریین بشكل دائم وهي بمثابة مناطق بینیة رباعیة الأضلاع تنتهي زوایاها عند طنجة وبرازافیل وداروین وهونغ كونغ والتي تضم فیما بینها خمس سكان الأرض، وتدور رحى صراع لا یتوقف بین القوى الثلاث من أجل السیطرة على هذه المناطق ذات الكثافة السكانیة إضافة إلى منطقة القطب الشمالي. ولم تستطع أي من هذه القوى فرض سیطرتها على كامل المنطقة المتنازع علیها، إذ تتقاسمها الدول فیما بینها على نحو مستمر، وكانت فرصة اقتطاع هذا الشطر أو ذاك لصالح دولة ما، لا تسنح إلا بلجوء هده الدولة لاستخدام الهجمات الخاطفة والمباغتة وهو الأمر الذي یفرض التغیرات الدائمة في التحالفات بین هذه الدول.
وتعتبر جمیع المناطق المتنازع علیها غنیة بالثروات، فمنها ما هو غني بالثروة المعدنیة ومنها ما هو غني بالمنتجات الزراعیة الهامة كالمطاط والذي تضطر الدول ذات المناخات الباردة إلى إنتاجه صناعیً ًا بطرق باهظة التكالیف. وفضلا عن ذلك كله فإن هذه المناطق تمتلك احتیاطیاً لا ینفد من العمالة الرخیصة، ومن ثم فإن أي قوة تسیطر على أفریقیا الاستوائیة أو بلدان الشرق الأوسط أو الأرخبیل الإندونیسي، تمتلك أیضا حق التصرف في مئات الملایین من العمالة الماهرة الرخیصة، وكان الحال یسوء بسكان هذه المناطق بحیث یصبحون أقرب إلى العبید، إذ كانوا ینتقلون على نحو دائم من ید قوة غازیة لید قوة أخرى، كما كانوا یُستنفدون كالفحم والزیت في سباقات التسلح وفي التنافس من أجل حیازة المزید من الأراضي وامتلاك المزید من الأیدي العاملة وإنتاج المزید من السلاح وهكذا دوالیك. وجدیر بالملاحظة أن الاقتتال لم یكن یتعدى أطراف المناطق المتنازع علیها، ولذلك كانت حدود أوراسیا تمتد وتنحسر فیما بین حوض نهر الكونغو والساحل الشمالي للبحر الأبیض المتوسط. وأما جزر المحیط الهندي فهي محور نزاع دائم ما بین أوقیانیا وإیستاسیا، تارة تؤول لهذه وتارة تؤول لتلك. وفي منغولیا لم یكن خط التقسیم بین أوراسیا وإیستاسیا مستقراً أبداً، كما كانت القوى الثلاث تدعي ملكیة أراض شاسعة في المنطقة القطبیة والتي هي في واقع الأمر غیر مأهولة ولم تستكشف بعد، ومع ذلك كله فقد كانت موازین القوى تظل متعادلة دائماً كما تظل الأراضي التي تشكل قلب كل من القوى الثلاث حرماً لا ینتهك. وعلاوة على ذلك فإن الأیدي العاملة للشعوب المستغلة حول خط الاستواء لیست ضروریة حقاًفي الاقتصاد العالمي وذلك لأنها لا تضیف شیئاً إلى ثروة العالم طالما أن كل ما تنتجه تبتلعه آلة الحرب، وما دام الهدف من وراء كل حرب أن تصبح الدولة في وضعیة أفضل لشن حرب أخرى.

ویعتبر ما ینتجه هؤلاء السكان المغلوبون على أمرهم بمثابة الوقود للحرب. غیر أنه لو فرض عدم وجود هذه الأیدي العاملة، فإن ذلك لن یحدث تغییراً جوهریاً في تركیبة المجتمع الدولي ومسألة حفاظه على وجوده.إن الهدف الأساسي للحرب الحدیثة (وفقاً لمبادئ ازدواجیة التفكیر، وهو هدف تعترف به الأدمغة الموجهة في الحزب الداخلي وتنكره في آن واحد) هو الإفادة مما تنتجه الآلة دون رفع المستوى العام للمعیشة. ومنذ نهایة القرن التاسع عشر ظل التخلص من فائض السلع الاستهلاكیة یمثل مشكلة كامنة في المجتمعات الصناعیة، أما في الوقت الحاضر حیث لا ینال إلا قلة من الناس كفایتهم من الغذاء، فإن هذه المشكلة تصبح غیر ملحة وربما لم تكن لتصبح ملحة حتى لو لم تكن عملیات التدمیر العمدي مقارنة قائمة على قدم وساق.
إن عالم الیوم عالم متهاو جائع عار بعالم ما قبل 1914، بل وتصبح صورته أكثر قتامة إذا ما قورنت بصورة المستقبل الذي كانت تصبو إلیه الشعوب في تلك الحقبة. ففي مطلع القرن العشرین كانت رؤیة ومخیلة كل مثقف لمجتمع المستقبل تشیران إلى أن العالم سیبلغ مستوى لا یصدق من الترف والثراء والنظام والكفاءة - عالم متلألئ من الزجاج والفولاذ والأسمنت الأبیض ذي المناعة ضد الجراثیم. كان العلم والتكنولوجیا یتقدمان بسرعة مذهلة وكان من الطبیعي أن یظن الناس أن ذلك التقدم سیتواصل، ولكن خابت ظنونهم بسبب حالة الإفقار التي جلبتها على العالم سلسلة طویلة من الحروب والثورات من ناحیة، ولأن التقدم العلمي والتقني یعتمد على الفكر التجریبي والذي لا مجال في مجتمع یسیر وفق نسق صارم لأن یخرج عنه. وبصفة عامة یمكن القول بأن عالم الیوم أكثر بدائیة مما كان علیه قبل خمسین سنة. صحیح أن تقدماً قد حصل في بعض المجالات المتأخرة وأنه قد جرى اختراع بعض الآلات التي كانت دائماً ذات صلة بالحروب وبعملیات التجسس، لكن الصحیح أیضاً أن التجارب والاختراعات قد أوقفت على نطاق واسع، كما أن العالم لم یبرأ بعد من الویلات التي خلفتها الحرب الذریة التي نشبت في خمسینیات القرن العشرین، وما زالت المخاطر التي رافقت طهور الآلة قائمة. فمنذ اللحظة التي ظهرت فیها الآلة للمرة الأولى بدا جلیاً لكل ذي عقل أنه لم تعد ثمة حاجة إلى استعباد الناس ومن ثم إلى فرض نظام طبقي لا یساوي بینهم. ولو ُأن الآلة كانت قد وظفت بعنایة لإنجاز هذه الغایة، لأمكن استئصال شأفة الفقر والجهل والمرض خلال أجیال قلیلة. وفي الواقع إن الآلة ورغم أنها لم تستخدم لهذه الغایة وإنما استخدمت في إنتاج ثروات یستحیل عدم توزیعها، قد أدت إلى رفع المستویات المعیشیة لدى الإنسان العادي بدرجات هائلة على مدى خمسین سنة تمتد من أواخر القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرین .

يتبع....

اذا لم تجد تكملة الرواية في الاسفل, اذهب للصفحة الرئيسية للموقع واستخدم البحث

Telegram