رواية عروس الثأر للكاتبة سارة علي الفصل الثالث

رواية عروس الثأر للكاتبة سارة علي الفصل الثالث

رواية عروس الثأر للكاتبة سارة علي

بعد مرور ثلاثة ايام...
في احدى الجامعات الخاصة...
اوقف أيهم سيارته في كراج الجامعة وخرج منها متجها الى القاعة الدراسية...
دلف الى القاعة ليجد الطلاب هناك في انتظاره...
السلام عليكم...

قالها وهو يتجه الى مكانه المخصص في مقدمة القاعة فهو يعمل كمعيد في هذه الجامعة بعدما تخرج منها حيث كان الاول على دفعته وقتها...
جلس أيهم في المكان المخصص له وبدأ يشرح للطلاب المحاضرة بحرفية عالية يمتاز بها هو دونا عن غيره...
كان الجميع يستمع له بسكون تام فهو يمتاز ايضا بشخصيته الصارمة الحازمة التي تجعل الطلاب يهابونه بالرغم من صغر سنه...
كان مندمجا وهو يشرح المحاضرة حينما سمع صوت طرقات على باب القاعة المغلقة يتبعها دخول أحدهم الى القاعة...
هل يمكنني الدخول.؟!

رفع أيهم رأسه ليتفاجئ بفتاة طويلة نحيلة امامه يراها للمرة الاولى بالرغم من كونهم في نهاية السنة الدراسية...
لقد دخلتِ بالفعل...
قالها ببرود لتشعر الفتاة بالخجل الشديد وتقول بأسف: اعتذر...
ادخلي...

أمرها ببرود لتدلف الفتاة الى الداخل على استيحاء وتجلس في مقدمة الصفوف، تمعن أيهم النظر اليها للحظات قبل ان يعود بتركيزه نحو المحاضرة...
استمر في شرحه حينما فوجأ بنفس الفتاة ترفع يدها نحو الاعلى بينما تضع كف يدها الاخر على فمها وكأنها تستعد لتتقيء...
وقبل ان يعطي اي ردة فعل كانت الفتاة تنسحب من المكان بسرعة وتخرج تاركة اياه يتابعها بذهول...

عاد ببصره نحو الطلاب الذين اخذوا يتهامسون بينهم عن هذه الفتاة الجديدة حينما سألهم: من هذه الفتاة؟! وهل تعرفونها؟!
تحدث احد الطلاب قائلا: كلا ؛ انها جديدة، جاءت البارحة هنا وباشرت دوامها معنا...
بينما اكملت الاخرى: تبدو مريبة، انها منعزلة ولا تتحدث مع احد...

اتجهت انظار أيهم نحو الباب متذكرا اياها حينما خرجت فجأة، اراد ان يطلب من احد الطلاب ان يتبعها ويطمئن عليها لكنه

تراجع في اخر لحظه وعاد مكملا الشرح...
انتهت المحاضرة والفتاة لم تعد، خرج أيهم من المحاضرة واتجه الى مكتبه، جلس على مكتبه وفتح حاسوبه الشخصي واخذ يعمل عليه بتركيز شديد حينما فُتحت الباب ودلفت منها نفس الفتاة...

رفع أيهم بصره نحوها متأملا اياها بصمت، كانت ملامحها عادية للغاية، بشرة خمريه مع وجه نحيل بذقن طويل قليلا، عيونها بنية فاتحة مائلة للاخضر وشعرها بني ناعم وطويل...
وجدها تهمس بحرج: اسفة لأنني خرجت بسرعة هكذا و...
قاطعها بسرعة: وبدون استئذان...

اومأت برأسها ليغلق أيهم حاسوبه ويسألها بعجرفة: انت جديدة هنا أليس كذلك؟!
اومأت برأسها دون ان تتحدث ليكمل أيهم بنفس العنجهية: عليك ان تعلمي بأنني لا احب ان يدخل احد ما ورائي في المحاضرة، ولا احب ان يخرج منها احدا دون اذن مني، اما بالنسبة لتصرفك اليوم فهو مفهوم للغاية...
ماذا تقصد؟!

سألته بنبرة مرتجفة: ما اقصده أنك اذا كنت لا ترغبين بحضور المحاضرة فلا داعي لاختلاق تمثيلية كهذه لمغادرتها...
تمثيلية، !!!
رددتها بدهشة قبل ان تقول بعدم تصديق: انت تظن بي بأنني كنت أمثل...
اومأ أيهم برأسه قبل ان يرد: انا لا اظن.، انا متأكد، اساليبكم الملتوية هذه اعرفها جيدا، بالله عليك هل هذا وجه فتاة مريضة او تعرضت لنوبة مرضية قبل قليل؟!

ابتلعت الفتاة ريقها وقالت بنبرة متحشرجة: على العموم صدقت او لا براحتك.، انا جئت هنا لاعتذر لك عن خروجي من القاعة دون اذن منك...
اعتذارك غير مقبول يا انسة، والان بإمكانك الخروج...
هزت رأسها متفهمة ثم خرجت من المكان تاركة اياه يتابعها بنظراته الهازئة فهو لن تنطلي عليه أساليب الفتيات تلك...

كانت تتابع اعمالها بتركيز شديد كالمعتاد حينما سمعت صوت طرقات على باب غرفتها يتبعها دخول والدها الى المكان...
اغلقت القلم الذي تعمل به ووضعت في مكانه ثم ابعدت الملفات التي كانت تعمل بها عنها ونهضت من مكانها وتقدمت نحو والدها تستقبله وهي تبتسم بسعادة ليبادلها ابتسامتها وهو يضمها اليه ويهمس بجوار اذنها: كيف حالك صغيرتي؟!
ابتعدت عنه قليلا واجابته بينما ما زالت محتفظة بإبتسامتها: بخير بابا، وانت كيف حالك؟!

تنهد بصمت قبل ان يجيب: بخير، الحمد لله...
ثم اردف: أصبحت لا اراكِ الا نادرا يا الاء، العمل اخذك مننا تماما...
ردت الاء بإعتذار: اعتذر كثيرا منك، أعترف بأنني مقصرة معك، لكن ليس بيدي، وقتي كله ملك عملي...
هز الاب رأسه متفهما قبل ان يحررها من ذراعيه ويتجه نحو مكتبها، كاد ان يجلس على الكرسي المقابل لكرسيها لكنها اعترضت بسرعة وهي تقول: بابا مكانك في واجهة المكتب...

الا ان الاب جلس على الكرسي وهو يقول بجدية: حتى لو، هذا مكانك ابنتي، اجلسي انتِ عليه وانا جلست هنا وانتهى الامر...
الا انها اختارت الجلوس على الكرسي المقابل له بدلا من كرسيها الاصلي وقالت مرحبة به: ماذا تحب ان تشرب بابا؟!
اجابها: قهوة سادة...

طلبت له القهوة ثم عادت تتحدث معه قائلة: والان اخبرني.، ما سبب هذه الزيارة العظيمة لمكتبي.؟!
تطلع اليها الاب بنظرات متوترة اقلقتها وجعلتها تسأله بتوجس: بابا ماذا هناك؟! هل كل شيء بخير؟!
تنهد الاب بقوة قبل ان يجيبها: انا اريدك في موضوع هام يا الاء.، واطلب منك ان تستوعبيه جيدا قبل ان تطلقي أية احكام مسبقة...

تطلعت اليه الاء بنظرات قلقة فيبدو ان والدها ينوي قول شيء ليس بجيدا على الاغلب، وهذا واضح جدا من كلامه، كما انها تعرف والدها جيدا وتدرك ان زيارته المفاجئة لها في مكتبها وتوتره وتردده الواضح عليه يوحي بشيء سيء في انتظارها...
تحدث بابا، انا اسمعك...

قالتها وهي تحاول بث الطمانينة داخل والدها ليمنحها الاب ابتسامة خفيفة قبل ان يقول بنبرة مترددة: لقد تحدثنا مع عائلة زهران.، بشأن ما حدث مع اخيك اسامة، نحن نسعى لحل هذا النزاع بيننا تجنبا لإراقة المزيد من الدماء...
ردت الاء مشجعة له ليكمل حديثه: رائع.، سوف تنحل جميع المشاكل التي بيننا بأمر الله...
ثم اردفت بضيق خرج منها لا اراديا: رغم انني ما زلت حاقدة عليهم لما حدث مع اسامة...
سعل الاب بقوة قبل ان يكمل بجدية: هناك حل واحد امامنا يا الاء لحل هذا النزاع وإنهاؤه...
حقا.؟! وما هو؟!

سألته الاء بترقب شديد ليجيب الاب بحسم: زواج بين العائلتين يقضي على هذا النزاع وينهيه تماما...
شردت الاء في كلمات والدها محاولة استيعاب المغزى الكامن ورائها قبل ان تنطق بذهول: ولكن ألا يبدو هذا الحل غريبا بابا؟!
غريبا بالنسبة لنا هنا في المدينة، لكن في القرية الامر يختلف تماما...

هزت الاء رأسها بتفهم قبل ان تقول بحذر: جيد، اذا كان هذا الشيء سيحل النزاع بيننا فلننفذه، ولكن ما علاقتي انا بكل هذا بابا؟!
خرج سؤالها الاخير مترددا قليلا وكأنها تخشى من الجواب، فألاء بذكائها و سرعة بديهيتها ستفهم ما يدور في ذهن والدها بكل سهولة...
تنحنح الاب مصدرا صوتا خفيفا قبل ان يجيب: انتِ يجب ان تتزوجي من احد ابناء تلك العائلة، مثلما سيتزوج ادهم من احدى بناتهن...
حاولت الاء استيعاب كلمات والدها الغريبة بالنسبة لها فنطقت اخيرا بعد فترة من الشرود في كلمات والدها: بابا انت لا تعني ما تقوله بالتأكيد...
الا ان الاب اكد لها ما قاله: بل اعنيه يا ابنتي...

بللت الاء شفتيها بلسانها وقالت وهي تحاول استيعاب ما يقوله والدها: لحظة.، دعني استوعب فقط ما سمعته، بابا انت كيف تفكر بشيء كهذا؟!
ثم اردفت بملامح ذاهلة: كيف تتخيل بأنني سأتزوج بهذه الطريقة؟
لا يوجد امامي حل اخر يا الاء، هذا الحل الوحيد لإنهاء الثأر الذي بيننا...
وقفت الاء لا اراديا من مكانها وقالت وهي تشير لنفسها بإنفعال: بهذه الطريقة، بالتضحية بي، ألا يوجد حل اخر سوى هاذ؟!
للاسف لا يوجد...

قالها الاب واكمل بنبرة متعبة: والمشكلة الاكبر ان عائلة زهران قد وافقوا على هذا الحل، يعني إن رفضنا نحن فسوف نصبح اساس المشكلة، سوف يزداد الوضع سوءا...
قاطعته الاء: هذه ليست مشكلتي بابا، انا لن اتحمل اخطاء غيري...
ثم اردفت بعد صمت ثقيل حل بينهما: وماذا عن ادهم؟! هل سيوافق هو الاخر؟!
صمت الاب ولم يجيب لتتابع الاء بسخرية: بالتاكيد لن يوافق، وطبعا سوف تقع في رأس اخر غيره...
ادهم وافق يا الاء...

توقفت الاء عما تقوله حينما سمعت ما قاله والدها، ذُهلت ملامح وجهها كليا ما ان سمعت ما قاله، تحدثت اخيرا بنبرة متقطعة: ماذا تقول؟! هل قلت بأن ادهم وافق على الزواج من ابنة عائلة زهران؟!
اومأ الاب برأسه لتجحظ عينا الاء بعدم تصديق قبل ان تشرد مرة اخرى فيما سمعته على لسان والدها...
هل يُعقل بأن ادهم سيوافق على شيء كهذا؟! بالتاكيد هناك سر ما وراء موافقته...
اسمعيني يا الاء.، انا اعرف جيدا بأن ما اطلبه منك شيئا صعبا للغاية...
قاطعته الاء بتأكيد: صعب جدا.، صعب جدا بابا...

اكمل الاب ايضا: وانا اعرف بأنك لن توافقي عليه حتى لو من اجلي انا...
اخفضت الاء بصرها بخجل فهي بالفعل لن توافق على هذه المهزلة مهما حدث ولأجل ايا كان...
ولكن ماذا ان كان هناك مقابل لموافقتك؟!
رفعت بصرها فورا ناحيته تتأمل والدها عن قرب قبل ان تسأله بحيرة: مقابل ماذا؟!
اخذ الاب نفسا عميقا قبل ان يزفره ويرد موضحا مقصده: هل تتذكرين موضوع شركة العطور وادوات التجميل التي سبق وحدثتيني عنه؟!
اومأت الاء برأسها وقالت: نعم، واتذكر حينها أنك رفضته بشدة...

رد الاب بجمود: والان انا موافق عليه، سأنفذ لكِ هذا المشروع كما تريدنه.، مقابل ان تتزوجي من ابن عائلة زهران...
اتسعت عينا الاء لا اراديا مما سمعته على لسان والدها، هل يُعقل ان ينفذ لها والده هذا المشروع؟! المشروع الذي حلمت به لسنين طويلة، والذي رفضه والدها بشدة بحجة أنه لا يرغب بأن ينفصل احد من أ
بنائه عن عمل العائلة الاساسي.، الامر الذي ازعجها بشدة حينها، ولكن ان يخبرها والدها بأنه سينفذ لها هذا المشروع مقابل هذه الزيجة شيء لم تتخيله او يخطر على بالها بتاتا...

بابا، هل انت واثق مما تقوله؟!
سألته وهي ما زالت مصدومة مما سمعته ليجيب الاب بضيق: منذ متى وانا امزح في امور العمل يا الاء؟!
غزاها الارتباك وهي تقول: اعلم ولكن ما تقوله يبدو كأمر خيالي.، فأنت رفضت هذا الموضوع بشدة...
نعم رفضت، والان اوافق...

قالها للمرة الثالثة يؤكد بها موافقته لتضطرب مرة اخرى وهي تقول: انا لا اعرف ماذا اقول.، حقا لا اعرف...
نهض الاب من مكانه وقال بنبرة جدية: فكري في الموضوع جيدا يا الاء.، اريد منك جواب نهائي في اقرب وقت.، فالجميع مستعجل لإتمام هذه الزيجة...
ثم تحرك خارجا من مكتبها تاركا اياها تفكر في حديثه بجدية...

في المستشفى...
كان أسامة يجلس على سريره وهو يشعر بالملل الشديد...
انه محتجز في هذه الغرفة منذ اكثر من اسبوع...
لا يفعل شيئا سوى الاكل والنوم، وهذا شيئا لا يرغب به شاب مثله مليء بالحيوية والنشاط...
سمع صوت باب غرفته يُفتح ليتجه بأنظاره بلهفة نحو الباب ظنا منه أن هناك احد ما جاء لزيارته فيرى ممرضة فاتنة للغاية تقترب منه وهي تحمل بيديها صينية الطعام...

اتسعت ابتسامته لا اراديا بينما اقتربت هي منه ووضعت الطعام على الطاولة بعدما وضعتها امامه...
هل تريد مني شيئا اخر؟!
سألته الممرضة بغنج ليبتلع ريقه ويومأ برأسه دون ان يرد...
ماذا تريد؟!
اجابها وهو يتأمل ملابسها الغير محتشمة اطلاقا والتي لا تليق بعملها وقال: اريدك ان تطمعيني بنفسك...
ثم اشار الى يده قائلا بكذب: يدي تؤلمني للغاية...

اشاحت الممرضة بوجهها وابتسمت ابتسامة جانبية قبل ان تعاود بوجهها نحوه وتقول وهي تحرك اصبعها أسفل عينيها: من عيوني، انت تأمر وعسل تنفذ...
عقد أسامة حاجبيه متسائلا بإستغراب: أي عسل؟!
اشارت الى نفسها وهي تقول بدلع: أنا عسل، اسمي عسل...
غمز لها أسامة وقال: عسل، قولي شيئا غير هذا...
مطت عسل شفتيها بضيق مفتعل: ماذا تقصد؟! هل انا اكذب بإسمي؟!

الا ان أسامة قفز من مكانه بسرعة مبعدا الطعام من امامه قائلا بلهفة: بالطبع لا، ما اقصده انهم ظلموكي بإسم عسل، كان من المفترض ان يسموكي غزال يا غزال...
قهقهت عسل بصوت عالي جعلته يضع كفه على فمها وهو يقول بتحذير: اخرسي سوف تفضحيننا...
ثم ما لبث ان اقترب منها أكثر وقال بعبث: ما رأيكِ ان تغلقي الباب؟!
لماذا؟!

سألته وهي تعبث بخصلات شعرها لتجده يقبض على ذراعيها ويديرها نحوه وجها لوجه قبل ان يحاول تقبيلها...
كانت عسل تتمنع عن أسامة الذي يحاول الحصول على قبلة منها بأي شكل حينما فُتحت الباب ودلف أدهم الى الداخل ليتفاجئ بأسامة يحاول الانقضاض على الممرضة بينما هي تحاول التملص منه وهي تضحك عاليا...
ماذا يحدث هنا؟!

انتفض أسامة مبتعدا عنها بسرعة بينما لطمت عسل على وجهها قبل ان تركض بسرعة خارج المكان...
اقترب أدهم من أسامة الذي انكس وجهه ارضا ثم قال بنبرة هازئة: ارفع رأسك أيها الاستاذ المحترم...
رفع أسامة رأسه وهو بالكاد يستطيع كتم ضحكته ليقول أدهم بأسف: لا فائدة منك، سوف تظل اقذر شاب رأيته في حياته...
ماذا افعل؟! تركتموني لوحدي هنا داخل غرفة من اربعة حيطان لا افعل شيئا سوى الاكل والنوم...

وهل هذا مبرر يجعلك تغرر بالممرضة؟!
زفر أسامة انفاسه وقال: لا تقل انني أغرر...
تسائل ادهم ساخرا: اذا ماذا يجب ان اقول؟!
اجابه أسامة: قل أنني اتسلى او أستمتع...
ثم اردف بضيق: وانت قطعت عليِّ هذه التسلية...
لا فائدة منك.، على العموم جئت لأخبرك بأن تجهز نفسك فقد وافق الطبيب على خروجك من المشفى...
حقا؟!

قالها أسامة وهو يقفز من مكانه قبل ان يقف امام ادهم ويهتف به: انا جاهز، هيا خذني من هنا حالا...
اشار ادهم له وهو يبتسم بخفة: هكذا بالبيجامة...
لحظة واحدة، اعطني خمس ثواني وسوف اغير ملابسي...
ثم قفز راكضا نحو الحمام ليغير ملابسه...

دلفت ليلى الى غرفة نومها المشتركة مع فرح...
وجدت فرح جالسة على السرير شاردة لم تنتبه لها حينما دخلت...
اقتربت ليلى منها وجلست بجانبها متسائلة بقلق واضح: فرح ، هل انت بخير؟!
اومأت فرح برأسها دون ان تجيب لتردف ليلى متسائلة: ألن تخبريني ماذا قال لك جدي.؟!
نظرت فرح إليها للحظات قبل ان تجيب بألم: طلب مني ألا أخيب ثقته بي...

شعرت ليلى بالحزن من اجل اختها وما تمر به فإحتضنتها بقوة وقالت: لا احد يستطيع ان يجبرك على شيء لا تريدينه يا عزيزتي...
بلى يستطيع، جدي يستطيع يا ليلى...
قالتها فرح وهي تشعر برغبة شديدة بالبكاء لتقول ليلى بسرعة: بالله عليكِ لا تبكي...
مسحت فرح وجهها بكفيها ثم قالت: انا حقا لا اعرف ماذا يجب ان افعل؟!
ثم التفتت نحو ليلى وقالت بسخرية: هل تعلمين؟! انا اضحك على نفسي بكلامي هذا، القرار ليس قراري، جدي اختارني وهو يعرف بأنني من المستحيل ان أرفض له قرار...

حسنا، وماذا عن كاظم؟! هل سيوافق هو الاخر؟!
اومأت فرح برأسها وقالت: بالتأكيد سيوافق...
عادت ليلى وسألتها: صحيح فرح، ماذا عن كامل؟! ماذا كان يريد منك هذاك اليوم؟!
ابتلعت فرح ريقها بتوتر ثم قالت كاذبة: لم يكن يريد مني شيئا، هو فقط كان يواسيني...
قالت ليلى بنصف عين: لا تكذبي عليَّ يا فرح، انا اعرف جيدا بأنه حدث بينكما شيء ما...

تنهدت فرح بأسى قبل ان تقول: حسنا يبدو انه لا مفر لي منك، سأخبرك بكل شيء، فلا يوجد حل امامي سوى هذا...
هيا اخبريني اذا...
قالتها ليلى وهي تتربع في جلستها لتقول فرح: لقد عرض علي الزواج...
شهقت ليلى بصدمة وقالت بصوت عالي قليلا: ماذا تقولين؟! عرض عليك الزواج...
وضعت فرح كف يدها على فم ليلى وقالت بخفوت: هش اصمتي، سوف تفضحيننا...
سألتها ليلى بصوت خافت بالكاد يسمع: وماذا قلتِ له؟!
اجابتها فرح: رفضت بالطبع...
توقعت هذا...

قالتها ليلى بنفس الخفوت لتومأ فرح برأسها فتكمل ليلى متسائلة: وماذا كانت ردة فعله؟!
اجابتها فرح: انصدم بشدة، ثم حاول معي ان اغير رأيي، لكنني رفضت...
اومأت ليلى برأسها متفهمة ثم أكملت بجدية: جيد ما فعلتِ، انا لا احب كامل اطلاقا...
انا لا اكرهه، ولكنه يبدو لي سيء الطباع...
فعلا، معكِ حق...

حل الصمت المطبق بينهما للحظات قطعته ملك وهي تدلف الى الداخل وتقول: الغداء جاهز، الجميع في انتظاركم...
نهضت ليلى من مكانها وقالت موجهة حديثها لفرح: هيا فرح، لنذهب الى غرفة الطعام...
الا ان فرح رفضت: لا شهية لدي بتناول اي شيء، اذهبا انتما...
اقتربت ملك منها واحتضنت وجنتيها قائلة: لا تفعلي هذا يا فرح، انا احزن بشدة حينما اراكِ هكذا...
ليس بيدي يا ملك، ما أمر به هذه الفترة يجعلني هكذا...

قالت ملك بترجي: تعالي معنا ارجوك، والديَّ سيتضايقان بشدة حينما لا يروكي على طاولة الطعام...
شعرت فرح بأن ملك معها كل الحق، وهي لا تريد لوالديها ان يتضايقان ابدا، نهضت من مكانها واتجهت مع ملك وليلى الى الطابق السفلي حيث غرفة الطعام...

جلس الجميع على طاولة الطعام وبدئوا في تناول طعامهم...
تحدثت مريم قائلة بملل: ما بكم جميعكم صامتون لا تقولون أي شيء.؟!
تحدث الاب بجدية: نحن مشغولون بتناول طعامنا يا ابنتي...
ردت مريم: ولكننا نتحدث عادة في الكثير من المواضيع المختلفة...
تحدثت ليلى بضيق: ما بك يا مريم؟! ألا ترين الاوضاع وما نمر به هذه الفترة؟!
قالت فرح بدورها: ما بها اوضاعنا يا ليلى؟! انها جيدة للغاية...

ردت ليلى بحرج: انا لم اقصد ولكن فقط شعرت بأن الجميع يبدو مستاءا مما حدث في الاونة الاخيرة...
هل انتهيتهم.؟!
سألهم الاب بصرامة لتنهض فرح من مكانها وتقول: عن اذنكم، لقد شبعت...
فرح اريد التحديث معك...
قالها والدها لتتطلع فرح إليه بقلق قبل ان تقول: تفضل بابا...
لنذهب الى مكتبي...

قالها والدها وهو ينهض من مكانه ويتجه نحو مكتبه لتتبعه فرح وهي تشعر بالخوف الشديد مما سيقوله...
جلست فرح امام والدها الذي ترأس مكتبه، اخذت تفرك يديها الاثنتين بتوتر ملحوظ جعل والدها يشعر بالشفقة من اجلها...
فرح ابنتي، لن اقول شيء يستدعي كل هذا الخوف والقلق...
رفعت فرح عينيها المدمعتين نحو والدها وقالت بوجع: ولكنك ستتحدث في نفس الموضوع، نفس الموضوع الذي اكرهه ولا اطيقه...
اخذ الاب نفسا عميقا وقال بجدية: نعم سأتحدث بنفس الموضوع ولكن سأقول ما يريحك...

تطلعت فرح إليه بترقب ليكمل: ارفضي هذه الزيجة يا فرح، وانا سأقف بجانبك وادعمك بقرارك، وسأتحمل كل تبعات هذا القرار...
ابتسمت فرح بحزن قبل ان تقول بإمتنان حقيقي: أشكرك ابي، أشكرك لأنك دوما معي، لأنك تحاول قدر المستطاع ان تخفف من همي وألمي، ولكن هذا الموضوع بالذات لا يتعلق بك فقط.، انه يتعلق بجدي، وانت تعرف مدى عمق علاقتي به...
افهم يا ابنتي.، ولكن هذا لا يعطيه الحق بأن يستغلك لشيء كهذا...

صمتت فرح ولم تتكلم بينما أكمل الاب: دعيني اكون صريح معكي.، لو كنت مكان جدك لاخترتك انتِ لهذه الزيجة...
رفعت فرح نظراتها المندهشة نحوه ليومأ الاب برأسه وهو يبتسم بحنو قبل ان يكمل: كلانا لديه بعد نظر يحدد على اساسه من الأصلح والأفضل، وأنتِ لو لم تكونِ هكذا ما كان ليختارك جدك، جدك اراد ان يختار حفيدته التي يثق بها وبحسن تصرفها، مثلما يثق جيدا من أنك لن تخجليه وترفضي أوامره...

تطلعت فرح اليه بحيرة فوالدها يضعها بحديثه على المحك بينما استرسل الاب في حديثه: ومع هذا انا معكِ، في أي قرار تتخذينه تجديني معكِ، أساندك وأدعمك، هل فهمت ما أعنيه يا ابنتي؟!
اومأت فرح برأسها وهي تجاهد لكتمان شهقاتها التي علت لا اراديا فنهض الاب من مكانه واقترب منها محتضنا اياها بقوة...
ظل الاب يحتضنها ويربت على ظهرها بيده وهو يهمس لها: انا اثق بك يا ابنتي.، مثلما أثق بقرارك تماما...
توقفت فرح اخيرا عن البكاء لتمنحه ابتسامة خفيفة قبل ان تشدد من احتضانه لها اكثر...

اوقفت الاء سيارتها امام احد المصانع الكبيرة في القرية...
كانت قد وصلت الى القرية ظهر اليوم بعد طريق طويل امتد لعدة ساعات...
وما ان وصلت الى هناك حتى سألت عن منزل كاظم زهران ليدلها سكان القرية عليه...

ما ان وصلت الى هناك حتى تفاجئت بمنزل كبير اقرب الى فيلا، ادهشها المنزل و جماله رغم كون بناءه قديم، لكن هذا لم يلغِ جماله او جمال تلك الاراضي الزراعية المحيطة به، سألت الاء احد العاملين في المنزل عن كاظم ليخبرها انه في المصنع بعدما رماها بنظرات متفحصة مستغربة، دلها نفس الشخص على مكان المصنع والذي كان قريبا من المنزل لتذهب اليه فورا...

هبطت الاء من سيارتها بعدما اغلقتها، سارت بخطوات واثقة نحو المصنع الضخم للغاية و لم تنسَ ان تلقي نظرة اعجاب على المكان الذي من الواضح انه يعمل بصورة جيدة للغاية وبمكائن حديثة الصنع...
تقدمت داخل المصنع لتجد الجميع مشغول في عمله، اقتربت من احد العمال وسألته عن مكان كاظم ليشير لها نحو احدهم يقف على بعد مسافة صغيرة عنها يوليها ظهره ويتحدث مع ثلاث رجال اخرين يحيطون باحد المكائن ويبدو انهم يفحصونها بدقة...

اخذت الاء نفسا عميقا ولم تنسَ ان ترفع ذقنها عاليا وسارت نحو كاظم، ما ان وصلت اليه حتى تنحنحت مصدرة صوتا جعله يلتفت الى الخلف ويطالعها بحيرة واستغراب بنفس الوقت، كانت نظراته تتفحصها عن كثب بملابسها المغرية المكونة من بنطال جينز ضيق طويل يصل الى كاحلها يعلوه قميص ازرق اللون ذو اكمام قصيرة بالكاد تغطي كتفها يضيق عند منطقتي الصدر والخصر بوضوح وبشكل مثير للغاية...
ضايقه لبسها المثير بشدة فهو لم يعتد في مجتمعه على نساء يرتدين ملابس كهذه...
من انتِ؟!

سألها بحدة جعلتها ترفع حاجبها مستغربة لهجته الغير مرحبة على الاطلاق...
حمحمت الاء بحلقها ثم تحدثت اخيرا بصوت ذو بحة مثيرة تستخدمها غالبا في ظروف كهذه لتجذب انتباه الواقف امامها وتلين منه قليلا: انا الاء الهاشمي، ابنة رياض الهاشمي و...
قاطعها كاظم بسرعة قائلا: فهمت فهمت، دعينا نخرج من هنا في الحال...

لم تفهم الاء شيئا منه ولم تستوعب ما يفعله وهو يجرها خلفه كخروف يُقاد الى المذبح متجها بها خلف المصنع وتحديدا الى داخل احد الاراضي الزراعية ليوقفها تحت احدى الاشجار العالية ثم يتفحص المكان من حوله ليتأكد من عدم رؤية احد له...
ابعدت الاء كف يدها من قبضة كفه القوية بعنف انتبه له وجعله يرميها بنظرات حادة استقبلتها بنظرات لا مبالية وهي تسأله بنبرة متحاملة: هل لي بأن اعرف ماذا يحدث هنا؟!

سألها بدوره بصوت يدل على مدى ضيقه وغضبه: وهل لي بأن اعرف مالذي جلبك الى هنا؟!
اتسعت عينا الاء بعدم تصديق فأخر ما توقعته ان يستقبلها بهذا الشكل المخزي بالنسبة لها، رفعت رأسها بشموخ محاولة اضافة المزيد من الثقة الى نفسها قبل ان ترد ببرود: جئت لاتعرف عليك واتحدث معك بشأن بعض الامور المهمة...
هنا وهكذا.، في المصنع وبهذه الملابس...

كان كاظم يتحدث بإنفعال شديد أثار استغرابها وهي تطالعه بنظرات يملؤها الغباء والاندهاش في ان واحد بسبب انفعاله الغير مفهوم بالنسبة لها ثم ما لبثت ان سألته بغباء حقيقي: ما بها ملابسي.؟!
رد كاظم وهو يكاد ينفجر في وجهها: يا الهي، تقول ما بها ملابسي، يالحظك يا كاظم، يبدو ان امك قد دعت لك فعلا بالزوجة الصالحة...
رفعت اصبعها في وجهه وقالت بنبرة مهددة: اسمعني، انا احذرك من ان تتجاوز حدودك معي.، هل تفهم.؟!
سألها كاظم بنبرة غامضة: المعنى.؟!

ردت بذقن مرفوع وكبرياء: المعنى ان تنتبه جيدا وانت تتحدث عني.، وإلا فأنني سأفعل ما لا يعجبك...
ثم اردفت بجدية: وعليك ان تعرف بأنني لم أاتي الى هنا لأجل سواد عينيك، بل جئت لأتحدث معك بامر زواجنا.، نحن علينا ان نتفاهم جيدا بشأن هذا الموضوع...

يبدو ان عروسي لسانها طويل...
رفعت نظراتها المشتعلة نحوه وقالت بنبرة مخيفة: لا تقل عروسي...
ابتسم ساخرا قبل ان يرد: أليست هذه الحقيقة؟!
اخذت نفسا عميقا عدة مرات تحاول من خلاله السيطرة على اعصابها التي تهدد بفتك احدهم الان...

تحدثت اخيرا بلهجة هادئة مريبة: دعنا نتحدث بصراحة تامة، نضع النقاط على الحروف كما يقولون، كلانا لا يرغب بهذه الزيجة، ولكن نحن مجبورون على القبول بها، وإن اختلفت اسبابنا...
ما المطلوب بالضبط مني آنسة الاء؟!
اخذت نفسا عميقا للمرة الأخيرة قبل ان تجيب بجدية: اريد ان نعقد اتفاقية صغيرة، اطلب مني المبلغ الذي تريده، وانا سأمنحه لك
قاطعها بنبرة غامضة: والمقابل؟!

اجابته بنبرة حذرة: زواج صوري.، على الورق فقط، مع شرط بأن العصمة تكون بيدي...
ابتسم كاظم للحظات بشكل فاجأها قبل ان يندفع في الضحك عاليا...
كزت الاء على اسنانها بغيظ منه لكنها لم تعلق منتظرة منه ان ينهي شوط الضحك الذي بدأ به وهي ترمقه بنظرات نارية...
توقف اخيرا عن الضحك لتتحول ملامحه من ضاحكة الى اخرى تنطق بالغضب والجنون بشكل ارعبها...

لم تشعر الاء بنفسها إلا وهي تُجر خلفه بقبضة قوية تشدد على ذراعها النحيل لتقف في وسط الارض الكبيرة بينما يقترب كاظم منها ويهمس لها بنبرة مجنونة: اعيدي ما قلته يا انسة، فأنا ارغب بسماعه مرة اخرى...
ابتلعت الاء ريقها وشعرت بالخوف الشديد من هذا المجنون الماثل امامها قبل ان تهتف بنبرة بالكاد خرجت منها طبيعية: اطلب المبلغ الذي تريده وسأمنحك اياها مقابل ان نتزوج صوريا والعصمة تكون بيدي...
جيد...

غمغم بها كاظم وهو يهز رأسها الى الاعلى والاسفل اكثر من مرة وكأنه يفكر في امر ما حتى تحدث اخيرا بصوت جامد وهو يشير الى الارضي الواسعة المحيطة بهما: هل ترين هذه الارضي يا انسة؟!
اومأت برأسها دون ان تنطق بحرف واحد ليكمل بعدما اوقفها امامه وجها لوجه: هذه الاراضي الذي ترينها جميعها ملك لي...

صمت لوهلة قبل ان يكمل وهو يشير الى منزل كبير للغاية يظهر من بعيد وهو يتوسط الاراضي الزراعيه التي تحيط به من كل جانب: وهذاك المنزل البعيد، او بالأحرى الفيلا، ملك لي ايضا...
ثم اشار الى المصنع: والمصنع ايضا لي.، اضافة الى كونني المدير الرئيسي لمجموعة شركات عائلة زهران...

اخفضت الاء بصرها ارضا ليهدر بها: ارفعي انظارك ولا تخفضيها، ارفعيها واخبريني، أي اموال تلك التي تجعلني ابيع كرامتي ورجولتي يا انسة؟!
انا لم اقصد...
قالتها بصوت مرتجف ليقاطعها صارخا بها بحزم: انا لم انتهي من كلامي بعد.، هل تظنين بأن رجل مثلي سيبيع نفسه وشرفه وكرامته لأجل المال.؟! تنظرين الي بإستغراب أليس كذلك؟!

صمتت الاء ولم تعلق بينما اكتفت بنظراتها المندهشة فهي برأيها قد هول الامر كثيرا ليكمل كاظم: ترين ان الامر لا يستحق كل هذه العصبية والجنون، لكنك مخطئة يا انسة، عرضك هذا يهين اي رجل ويقلل من كرامته ورجولته، خاصة مع رجل مثلي تربى على ان كرامته وشرفه أهم شيء، اهم من كل الاموال التي تعرضينها علي...

شعرت الاء بلسانها ينعقد داخل فمها ولم تعرف بماذا تعلق، شعرت بأن الكلمات تجمدت داخل حلقها، اما كاظم فأكمل بصرامة تليق به: عرضك مرفوض يا انسه، يبدو انك غير معتادة على الرجال من هذا النوع، رجال يقدسون كبريائهم وكرامتهم، نصيحة لا تنظري الى رجال عائلتك فقط وتأخذينهم كمثال يحتذى به، فهناك رجال يختلفون تماما...

هذا يكفي، انه يهين رجال عائلتها، لقد تمادى كثيرا...
انتبه على حديثك من فضلك، ولا تتمادى به...
قهقه عاليا قبل ان يقول: انت اخر من يعملني كيف اتحدث يا انسة، انا للاسف لن استطيع ان استرسل في كلامي معك اكثر، فلدي اعمال مهمة تنتظرني.، عن اذنك...
قالها بإستهزاء ثم رحل تاركا اياها تضرب الارض بقدميها عدة مرات قبل ان تنسحب من المكان بأكمله...

تبا له، انه أهانني وبشدة...
كانت الاء تتحدث وهي تكاد لا ترى امامها من شدة العصبية...
حاولت صديقتها تهدئتها قليلا فتحدثت قائلة: اهدئي عزيزتي ولا تفعلي بنفسك هذا...
التفتت الاء نحوها وقالت بنبرة تقطر غضبا: ألم تسمعِ ما قاله لي؟! ذلك المتخلف يظن بأنه قادر على إهانتي...
بصراحة معه كل الحق فيما قاله...

قالتها صديقتها بتردد لتتطلع اليها الاء بنظرات مندهشة قبل ان تهتف بها بعدم تصديق: أنتِ من تقولين هذا يا هديل، يا الهي لا اصدق...
ردت هديل بجدية: عزيزتي اسمعيني.، لا يوجط رجل يقبل بأن تكون العصمة بيد زوجته.، فكيف اذا كان رجل قروي مثله؟!
ولماذا لم تخبريني بهذا حينما قررت الذهاب الى هناك وتقديم عرضي له.؟!

شعرت هديل بالاحراج فقالت: اعلم انه كان يجب علي تنبيهك.، ولكنك ما كنت لتستمعي اليَّ اطلاقا.، انت لا تسمعين سوى نفسك يا الاء...
ماذا سأفعل الان؟! يبدو انني على وشك خسارة اهم مشروع في حياتي...
اقتربت منها هديل وقالت بحذر: برأيي ان توافقي على الزواج، انه يستحق تضحيتك...
الا ان الاء اعترضت بشدة وقالت بإستنكار شديد: هل تعين ما تقولينه يا هديل؟! كيف أوافق على شيء كهذا بالله عليكِ؟! تريدنني ان اتزوج من ذلك الجلف المتخلف؟! انا ألاء الهاشمي اتزوج برجل مثله...

الا ان صديقتها اصرت على رأيها وهي تكمل ما قالته بععقلانية: دعيني نتحدث بعقلانية، انت تحلمين بشركة خاصة بك منذ وقت طويل، منذ تخرجك تحديدا، والدك رفض وبشدة، وانت لا تستطيعين انشاؤها بالاعتماد على نفسك.، الان والدك جاء ويعرض عليك ان ينفذ لك مشروع الشركة.، والمقابل ان توافقي على الزواج بذلك الذي تسمينه بالجلف المتخلف، بالنسبة لي لا بأس من تضحية قليلة مقابل جائزة كبيرة...

تطلعت اليها الاء بعدم اقتناع ثم قالت: ولكن انا لا استطيع ان اكون زوجة لرجل مثله.، ان الامر يبدو مريب وغير منطقي...
هل هو بشع.؟!
سألتها هديل بتدقيق لترد الاء بنفي: الموضوع ليس هكذا.، لكنه يبدو لي عنيفا ومتحكما...
لماذا تتحدثين معي وكأنك ستبقين معه العمر كله.؟!
ماذا تقصدين.؟!

سألتها الاء بعدم فهم لترد هديل بجدية: ما اقصده أنك ستتزوجيه لفترة محددة.، فترة تحققين به غرضك من هذه الزيجة ثم تطلبين الطلاق...
صمتت الاء واخذت تفكر في حديث صديقتها حتى قالت اخيرا: ولكن هل تظنين بأن الطلاق سيكون سهل؟!
بالتأكيدد، انه أسهل مما تتخيلين، ألا ترين بأن حالات الطلاق اكثر من حالات الزواج في البلاد هذه الفترة.؟!

هزت الاء رأسها وقالت: معك حق يا هديل، الطلاق ليس بالامر الصعب...
ثم اردفت بمكر: كما أنني قادرة على جعله يطلقني بعد يوم من زفافنا...
ردت صديقتها بحماس: واخيرا بدأتي تفكرين بالشكل الصحيح...
تحدثت الاء بعد قليل من التفكير: انا سأشترط على والدي ان ينفذ لي مشروع شركة العطور وادوات التجميل.، وسأشترط عليه ان يشتري لي فيلا كبيرة ايضا...

فيلا كبيرة، !!! ماذا ستفعلين بها؟!
سألتهت هديل بتعجب لترد الاء بجدية: اعيش بها.، انت اكثر من يعرف بأنني لا احب العيش مع عائلتي في منزل واحد، انا اريد العيش في منزل خاص بي لوحدي...
ثم اردفت وهي تتخيل القادم: حينها سيصبح لي شركتي الخاصة ومنزلي ايضا...
وماذا عني.؟! ألن أحصل على اي شيء؟!

سألتها هديل ببؤس مصطنع لتحيطها الاء من كتفيها وتقول: انت بالذات لكِ هدية كبيرة.، سيارة احدث موديل.، كما انني سأقيم حفلة كبيرة وقتها ادعو لها جميع زملائي واصحابي...
واوو لقد تحمست...
قالتها هديل بحماس قبل ان تردف: هيا اذهبي الى والدك واخبريه بموافقتك...
حالا...
قالتها الاء وهي تحمل حقيبتها وتتجه نحو المنزل...

دلفت الاء المنزل لتسمع اصوات شجار عالية تأتي من صالة الجلوس...
اتجهت بسرعة الى هناك لتجد والدتها في وجهها وهي تقول موجهة حديثها لها: تعالي يا الاء، تعالي واسمعي ما يهذي به والدك، !
ماذا هناك؟!
سألت الاء بقلق وهي ترى كلا من والدها واخوانها يجلسون صامتين لا يقولون شيئا...
تحدث الاب اخيرا: والدتك جنت يا الاء...

التفتت أسما نحوه وقالت بجنون حقيقي: من الذي جن بالضبط؟! أنا ام من يريد تزويج أبناؤه بأولئك المجرمون.؟!
انتبهي على حديثك يا أسما...
هدر بها رياض بتحذير لترد أسما بلا مبالاة: كلا لن اصمت، انا لن ارضى بشيء كهذا...
ثم اردفت وهي تشير نحو ادهم: واذا ابني وافق على عرضك حتى لا يخجلك ويسبب لك الإحراج فإبنتي لن توافق بكل تأكيد...
ثم التفتت نحو الاء وقالت: أليس كذلك يا الاء؟!

تنحنت الاء قليلا ثم قالت بتردد: في الحقيقة انا قد جئت لأخبر بابا بأنني موافقة على أمر زواجي من ابن عائلة زهران...
ماذا؟!
قالها الاب وهو ينهض من مكانه بعدم تصديق بينما اخذت الاء نفسا عميقا تحاول بث القليل من الطاقة لها.، الصدمة كانت من نصيب والدتها واخوانها الذين اخذوا يتطلعون الى بعضهم بذهول شديد...

افاقت الام من ذهولها اخيرا وقالت بصراخ: انا لا اصدق ما اسمعه، لقد جننتم بكل تأكيد.، ماذا جرى لكم؟!
ثم اردفت قائلة: ليكن بعلمكم انا لن اوافق على هذه الزيجة.، ولن أحضرها.، هل فهمتم.؟!
ثم تحركت من أمامهم تاركة المكان لهم ليقترب ادهم من والده ويقول: بابا لا تضايق نفسك.، انا سأتحدث معها وأقنعها لا تقلق...
بينما اقترب أنس من أيهم وهمس له بصوت منخفض: أيهم، هل يُعقل ما سمعته؟! الاء توافق على هذه الزيجة وبهذه السهولة.، بالتأكيد هناك امر ما وراء موافقتها...

لم يرد أيهم عليه بل قال موجها حديثه لأدهم: من هذه الناحية فأنا مطمئن، انت خبرة في هذه الامور...
لمح ادهم السخرية في نبرته فسأله بحدة: ماذا تقصد؟!
نهض أيهم من مكانه وقال: لا اقصد شيئا.، انا ذاهب لأنجز بعضا من اعمالي.، عن اذنكم...
التفت ادهم نحو والده وقال: وانا ايضا لدي مشوار مهم.، يجب ان انتهي منه...
لا تنسى ان تتحدث مع والدتك...

اومأ ادهم برأسه متفهما ثم خرج من المكان بينما اقترب أنس من الاء وسألها: الاء اخبريني، كم دفع لكِ والدي لتوافقي على هذه الزيجة.؟!
رمته الاء بنظرات حادة قبل ان تنهض من مكانها وتتجه خارج المكان ليقول أنس لنفسه: لماذا الجميع يتعامل معي وكأنني كائن غير مرئي؟!
عاود أنس الذهاب نحو والده و سأله: راضو حبيبي.، اخبرني بالله عليك، كم دفعت لأدهم والاء حتى يوافقوا على هذه الزيجة؟!
تطلع اليه رياض بنظرات باردة قبل ان ينهض من مكانه ليشير أنس ال نفسه قائلا: يبدو أنني بالفعل شيء غير مرئي...

اقترب اسامة منه وقال بعبث: ألن تكف عن حماقاتك يا هذا.؟!
هز أنس رأسه نفيا ثم قال بتفكير: انا واثق من كونهما لم يوافقا على شيء كهذا الا بمقابل.، ومقابل كبير ايضا...
معك حق.، الله وحده يعلم كم دفع والدي لهما ليوافقا...
انتهازيان حقيران...
ادهم متى جئت؟!
قالها أسامة ليقفز أنس من مكانه بسرعة قبل ان يسمع صوت أسامة وهو يقهقه عاليا...

وصل ادهم اخيرا الى القرية.، لقد ذهب خصيصا الى هناك ليرى خطيبته المستقبلية ويتحدث معها.، اتجه نحو منزلها ووقف على بعد امتار قليلة منه ينتظر خروج احدهم من المنزل حتى يسأله عنها، فهو لا يرغب في الذهاب الى منزل عائلتها ويعرفهم عن نفسه...
وبالفعل وجد احدى الفتيات تخرج من هناك فسألها عنها لتخبره بأنها بالمزرعة الخاصة بعائلتها، اتجه ادهم فورا الى هناك واخذ يسير في الاراضي الواسعة وهو يبحث بعينيه عنها...

تأفف بضيق فهاهو يبحث عنها منذ الصباح ولم يجدها، يبدو انه بحاجة لاخد موعد خاص منها قبل ان يراها...
سار متقدما الى داخل احد الحقول القريبة ليتصنم في مكانه بعد لحظات وهو يشاهد احداهن تتسلق شجرة تفاح عالية...
رباه، من المستحيل ان تكون هي..
قالها لنفسه وهو يدعو ربه ألا تكون هذه المتسلقة هي خطيبته المزعومة...

اقترب منها بحذر حتى لا تشعر به بينما وصلت هي اخيرا الى قمة الشجرة، كان ظهرها موجها له مما يجعلها لا تراه...
بدأت تقطف ثمار التفاح الشهية وترميها على الارض بحماس شديد...
شعر بأنه رأها من قبل فهذا الجسد النحيل والشعر البني الطويل ليس بغريب عليه...
اقترب منها اكثر واختار هذه المرة ان يميل قليلا بجانبها ليرى ملامح وجهها بوضوح اكبر بينما هي منشغلة في عملية قطف الثمار...

جحظت عيناه بصدمة حينما تبين له بأن هذه المتسلقة لم تكن سوى راعية الغنم التي رأها عند مجيئه لهذه القرية، اخذ يربط الخيوط ببعضها وهو يدعو ربه ألا يكون ما يفكر به حقيقة...
وقبل ان يعي ما يفعله صرخ بلا ارادة عنه: فرح...
لتستدير نحوه في نفس اللحظة شاهقة بقوة من الصدمة فتسقط من فوق الشجرة بعدما فقدت توازنها فيستقبلها هو بين احضانه قبل ان يقع كلاهما على الارض...

نهضت فرح من مكانها وهي تنفض الغبار والأتربة عنها، نهض أدهم بدوره واخذ يفعل المثل وهو يشعر بالضيق الشديد...
نفض ادهم الغبار عن بذلته وقال بعصبية خفيفة: هل توجد فتاة عاقلة تفعل شيء كهذا؟! تتسلق شجرة عالية بهذا الشكل المخزي؟!
توقفت فرح عن نفض الغبار عن ملابسها ورفعت بصرها نحوه لتسأله بتحذير وهي تقترب منه: انتبه الى كلامك يا هذا...
ثم اردفت وهي تتأمله بقرف: ثانيا ما علاقتك انت بي.؟! أتسلق الاشجار او احرث الارض، ما علاقتك انت؟!
رد ادهم بغضب: بسببك توسخت بذلتي بالكامل...
حقا؟! يا لها من مشكلة عظيمة...

قالتها بتهكم قبل ان تطلق ضحكة عالية جعلته يكز على اسنانه بغيظ وهو يقول بنبرة مهددة: انتبهي على كلامك يا فتاة، واعرفي مع من انت تتحدثين...
عقدت فرح ذراعيها امام صدرها وتسائلت بإستهزاء واضح: صحيح والله نسيت ان اتعرف على سيادتك، من تكون بالله عليك.؟!

زفر أدهم أنفاسه بقوة ثم قال بجدية: انا ادهم الهاشمي.، ابن رياض الهاشمي...
تصنمت فرح في مكانها محاولة استيعاب الاسم لتهمس بعدم تصديق: هل انت؟!
ليقول ادهم بإبتسامة ماكرة: انا بشحمي ولحمي، أدهم الهاشمي، خطيبك المستقبلي...

يتبع....

اذا لم تجد تكملة الرواية في الاسفل, اذهب للصفحة الرئيسية للموقع واستخدم البحث

Telegram