قصة  ماتزال القصيدة في فمي

قصة ماتزال القصيدة في فمي

قصص اجتماعية

كل شيء على مايرام ، كل شيء تمام ، كل شيء إلا هذا القلب الذاهب إلى أوج ذعره ، المنتفض أمام نبوءة السكين ، قالت عائشة لقلبها المجنون : كل شيء على مايرام ، سيجيء دوري وسينتهي كل شيء ، ركلاتك السخيفة بلا داعي ، إنك تبالغ ، تعرقت يداها وجف فمها شعرت أنها مثل بحر أو صحراء ، باطنها يتقلص ، أصابعها توجعها ، وجلدها يتهيج ، أحست بتدفق الدم تحت جلدها


مشاعر متضاربة:
سمعت صوت بداخلها يصيح قائلًا : اهربي يا عائشة ! اهربي حالاً ! ، وترد على صوت قلبها وتقول : أنت غبي وقليل الفهم ، أتريد أن تفوت تلك اللحظة ، لأنك مذعور و جبان ، أقول لك كل شيء على مايرام ولكنك لا تصدق ، اللعنة على غبائك ! ، فيقول لها مرة أخرى : اركضي يا عائشة ، اركضي قبل فوات الأوان ! ، كذبت حدسها ونبوءاتها ، قررت ألا تسمع العويل في داخلها ، وضعت  الورق أمامها ، والقلم على يمينها ، التقطت أنفاسها من بعيد ، تأهبت للقراءة


ستصير الأمور على مايرام :
ازدردت ريقها بمشقة ، هي جافة كصحراء ، ممصوصة وناشفة ، وماتزال تقول لنفسها وتطمئنها : ستصير الأمور على ما يرام ، عندما أضع القصيدة في فمي ، القصيدة سوف ترويني


داخل قاعة :
فرغ زميلها عصام من نصه الشعري الأخير ، جميع من في القاعة يصفق له ، أمه تبتسم ، لقد أبلى بلاء حسناً ، تصعد زميلتها نسرين على المنصة ، إنها على وشك أن تقدمها إلى الجمهور ، أن تقرأ اسمها على

الملأ ، أن تعلن عنها ، قالت نسرين : وجهٌ جديدٌ يطل على المشهد الشعري في الكويت ، قصائد ذات خصوصية عالية ، تنبعث من حميمية التجربة ، وقدرتها على الاشتباك مع الوجود


القصيدة والجلاد:
وفجأة اختلط صوت زميلتها نسرين بصوت آخر ، صوت خطوات تقترب ، خطوات تعرفها عائشة جيداً ، تعرف ثقلها تماماً ، تسمعها كل يوم ، أربع عشرة مرة ، نزولاً إلى السرداب وصعوداً إلى العالم  ، صوت يقول : قلبي حزين عليك يا عائشة ، يقول قلبي !سمعت عائشة صوت احتكاك النعل بالسيراميك ، صوت تستنفر له جميع غرائزها ، هي كالذبيحة تعرف إلتماعة السكّين في عين الجلاد ، غاب الجميع وحضر السرداب ، كانت تسقط والصوت يقترب ، ويقترب أكثر ، الظّل يمتد إلى الداخل ، يطعن المكان ، الوجه يطل من خلف الباب ، الوجه ، الجحيم ، الوجه ، المشنقة ، أخيراً رآها الوجه ، ورأته ! ، رآها أخيها صقر! ، صوت زميلتها نسرين يقدمها : الشاعرة عائشة عبد الرحمن


المواجهة :
انتصبت عائشة واقفة مثل وترٍمشدود ، شعرت أنها في تلك اللحظة هي القوس والسهم ، هي الضحية والدم ، لملمت أوراقها ، والنشيج الأخرس يرتحل في صدرها ، كل شيء يفلت من يدها ، يتواطأ ضدها ، الأوراق تسقط ودموعها تسقطت .. على القصائد ، وعلى الأرض ، وعلى خدها ، العالم يغيب في قطرة ماء ، لقد انتهى كل شيء


وداعاً يا شاعري وحبيبي :
نظرت إلى زميلها عصام ، من غبش الماء الطالع من عينيها ، تريد أن تقول له وداعاً ، همس عصام إليها مرتاباً : ما بك يا عائشة ؟  فلا ترد ، تنظر عائشة إلى الوجه النابت من جحيمه المستعر ، إلى وديان الحميم في الأعين ، وشجرة الزقوم  في الجبين ، السوط والساطور والقضبان ، والوعيد في الحاجبين المعقودين ، نظرت إلى أخيها المتشدد دينياً صقر ، وأشارت إليه بيدها وأغمضت عينها ، إنها عصفور في عرين الوحش ، السماء أبعد من جناحيها


ماتزال القصيدة في فمي :
اليد التي نزلت على وجهها ثقيلة مثل قذيفة ، فجّرت رأسها على حائط القاعة ، وطرحتها أرضاً ، قائلا لها : يا كلبة ، كل شيء يهتز حولها ، العالم ينخلع من بروازه الجميل ، ينعتها صقر : يا قذرة ، ولكنها لم تقرأ شيئاً ، ماتزال القصيدة في فمها ! ينعتها صقر : يا داعرة


ضوء أزرق في عينيها ، أنين أحمر في رأسها ، سمعت صوت حبيبها وهو يصرخ باسمها في ذهول : عائشة ، وكأن صوته يتنزل من سماءٍ ثامنة ، ينعتها صقر : ويناديكِ باسمك يا حيوانة  ! ، اسمها العورة ، اسمها الفضيحة


يد صقر تقبض على رأسها ، يده كماشة ، كماشة تسحبها ، وذهولها شاهق في الألم ، وهو يقول : امشي قدامي ، ولكن القصيدة ماتزال في فمها ! ، قال صقر : سودت وجهي ، سود الله وجهك ، وصفعة ثانية تنزل من علياء جبروتها ، وتحط على وجهها ، حتى سالت القصيدة من فمها ، خيطاً أحمراً



Telegram