قصة  من وراء النظارة

قصة من وراء النظارة

قصص اجتماعية

رمقها باستغراب ، إذ تخرج من محفظتها الصغيرة والتي كانت تحملها بكلتا يديها فوق صدرها ، مجموعة من الأوراق المالية الزرقاء والحمراء والصفراء ، وتضعها في كومة صغيرة على الطاولة أمامه قبل أن ترفع أصبعها لتعيد النضارة السميكة إلى عينيها ، فأسرع يضع يده فوق الكومة أمامه كي لا يطيرها نسيم البحر


نظارة سميكة وخصلات متطايرة :
وعبر الأوراق المالية المبعثرة ، تأمل انعكاس وجهها العجوز على زجاج الطاولة المكسر ، ونظارتها السميكة التي تعكس شموسًا بيضاء على الزجاج ، ثم تنهد وقال : لها إن كومة نقودها هذه ستكفيها ساعة ونيف استئجار القارب الشراعي الذي تطلب ، هزت رأسها موافقة ورفعت حقيبة صغيرة عن الأرض ، دون أن تنتبه أن خصلات شعرها الأبيض قد أفلتت من العقدة التي كانت تشدها إلى بعضها ، فتبعثرت وتبعثرت


محاولة الوصول إلى السفينة :
حاولت أكثر أن تزيد من سرعة القارب ، رغم عدم خبرتها به ، محاولة الوصول إلى السفينة ، ولكن الرياح كانت تدفع القارب نحو السفينة الضخمة بسرعة قليلة نسبيًا ، ولم تفهم ما الذي توجب عليها فعله ، خصوصًا وأن المسافة بينها وبين الشاطئ أصبحت كبيرة ومرعبة ، مثلها مثل المسافة بينها وبين السفينة ، ونظرت للحظات إلى المياه بجانب القارب ، ولم تستطع أن تميز عمق البحر كثيرًا ، وإن لم تكن مهمته حقًا بمعرفته ، قدر اهتمامها بالوصول إلى السفينة المغادرة قبل أن تبتعد أكثر


الاقتراب من الهدف :
وفوق الرمال ، وقف تاجر القوارب يتأمل الأفق ويتابع ساعته ، إن استمرت العجوز في الابتعاد هكذا ، فلن تعود في الوقت المحدد ، وسيضطر

لتغريمها المزيد من النقود ، ومن بعيد هبت رياح باردة حملت القارب مسافة أقرب إلى السفينة المبتعدة ، فابتسمت العجوز سعيدة بانجازها ، وتابعت بنظرها أكثر السفينة الضخمة التي بدأت تضيء أنوارها ، أما في عمق الأفق فكان هناك برق يمزق السماء ، معلنًا عن اقتراب عاصفة


هلاوس العجوز :
تنفست بعمق فسمعها شبح خيالها المخادع ، تقرب منها وتبسم لها ، وبدأ يخادعها بكلامه المعسول ، وعندما رفضت أفكاره ، حاول شبح خيالها أن يخنقها ويقضي عليها ، ولكن صغيرها جاء ومسك بالشبح من ذيله ورماه في الهاوية ،  أحست بالامتنان للصغير ، مدت يدها تضعها على كتفه ، تحشرج صوته ليصبح نسخة كبر في العمر منه


وصرخ بها أن تبتعد عنه ، وهو يدفع يدها عن كتفه ، فلم تصدق أذنيها ، وبسرعة ضمت هذا المشهد إلى قائمة المشاهد الغريبة التي تتخيلها في كثير من الأحيان ، ومسحت عن العالم من حولها ضياء خيالها ، لتجد نفسها من جديد في غرفة الصغير ترتجف قهرًا ، من المشهد الذي عدته خيالياً ، ولكنه أشد ألمًا من خيالتها المعتادة ، ربما لأن الصغير هو منقذها الدائم من شبح خيالها المصر على خنقها دائمًا


جنون وهروب :
ثم هي لم تفهم ، لماذا ينعتها بالمجنونة دائمًا ، ويطالبها بالكف عن ما تفعله ؟ لماذا رفض أن تربط قدمه بالفراش كما السابق ، مانعة إياه من التسلل إلى عالم الكوابيس عندما ينام ؟ هي لم تفعل شيئًا خاطئًا ، فكل همها حمايته من الشبح ، ومن والاه من الأشباح ، ثم التأكد من أنه يحفظ دروسه جيدًا ويعيش حياة سعيدة


ثم يتزوج من تربط قدمه إلى السرير مانعة عالم الكوابيس من خول منزله السعيد ، وظل مشهده وهو يحمل حقيبة سفره مغادرًا المنزل ، نحو وجهة مجهولة لها تثير حيرتها طوال أربع سنوات ، تلت هذا الحدث ، هل غادر بالفعل ليسكن وحيدًا دون وداع ؟!!جنون الأم وصبر الابن :
وهي رغم بعده عنها طوال سنوات الجامعه ، كانت تتابع تحركاته ، تظهر له فجأة أمام باب الجامعة تبتسم له ابتسامة عريضة ، وتحمل حقيبتها الصغيرة بكلتا يديها فوق صدرها ، وتدفع نظارتها السميكة بطرف اصبعها لتعيدها إلى مكانها ، فيطأطئ رأسه ويغادر أصحابه ويأخذها إلى المنزل دون كلمة .. ولكم حاولت أن تتكلم معه ، ولكنه كان يسرع الخطوات ، فلا تملك إلا أن تتطلب منه التوقف ، لكي يسمح لها بالتقاط أنفاسها ، وإعادة نظارتها السميكة فوق عينيها في مكانها


الملاحقة حتى السكن :
ثم تعلمت أن تلاحقه حتى علمت مكان سكنه ، فجلست بالساعات مع صاحبة الشقة العجوز التي سمحت لها بالنهاية أن تزور شقة ابنها ، دخلت الشقة مطمئنة إلى جدول مواعيد محاضراته التي يحتفظ بها ، ووضعت الزهور بجانب سريره ، وطبعت قبلا على صفحات كل كتاب ، قبل أن تترك عود بخور على المكتب وتغادر ، ورغم انتشار خبر الحريق أيامها ، إلا أنه لم يصلها إلا بعد أسبوعين عندما حاولت زيارته مرة أخرى


السفر للعمل :
لم تفهم حتى بعد انتهاء زيارته المسائية تلك ، جملة السفر إلى ايطاليا للعمل ، وطلبت منه أن يبدأ بزيارتها كل ليلة ، بعد أن كانت زيارته أسبوعية ، ليشاركها العشاء بالمنزل ، ولكنه ابتسم وأخبرها عن بُعد إيطاليا عن منزلها ، وصعوبة زيارتها يوميًا من هناك ، فهزت رأسها في أسى وصمتت


مغادرة وحسرة :
في يوم السفر استيقظت مبكرًا ، وانطلقت فورًا إليه ، وهناك ضمها وقبلها ورجاها أن تهتم بنفسها ، فوضعت حقيبة صغيرة في يده وأخبرته أن فيها غداؤه ، ضحك قبل أن يعتذر عن قبول الهدية ، بسبب قوانين السفر التي تمنع اصطحاب أطعمة ، ولكنها كانت أكثر إصرارًا ، وابتسم لها قبل أن يحمل الحقيبة ويغادر ، ظلت تلاحقه بنظراتها وتحاول أن تميز رأسه من بين المسافرين ، رأته وهو يضع حقيبة الطعام على الأرض ، ويخرج من جيبه منديلاً يجفف عرقه


ثم يمشي تاركًا حقيبة الطعام خلفه


وضعت يدها على فمها لتمنع شهقة ، وحاولت الاسراع خلفه إلا أن الحراس طلبوا منها جواز السفر ، ظلت تترجى أحدهم حتى جاءها بالحقيبة ، ضمتها إلى صدرها وهي ترمق السفينة المغادرة ، ثم أزمعت أمرًا !من وراء النظارة :
في صباح اليوم التالي ، وجدت ريم الصغيرة نظارة بعدسة سميكة وأخرى محطمة مرمية بين هدايا الأمواج بعد عاصفة الأمس !! .. ارتدتها وركضت إلى والدها ضاحكة ، فابتسم لها وهو يرفع النظارة عن عينيها ، ويرميها بعيدًا لتلمع للحظات تحت أشعة الشمس وتختفي ، لا يريد لصغيرته أن ترى العالم ، عبر مثل هذه النظارة



Telegram