الوادي (الجزء الأول)


عماد ومنذر تزاملا في الدراسة وتخرجا سويا وتوظفا في نفس العمل..

حلت عطلة نهاية الأسبوع وقد اعتادا ألا يقضياها في المدينة، كانت الرحلات الاختلائية في أحضان الطبيعة بشتى أشكالها شغفهما، كانا يقضيان تلك الأيام المعدودة بين البر أو البحر.. بين التلال أو المروج.. في أي مكان يأخذهما قلبا وقالبا بعيدا عن ضجيج المدينة.

لم يكن المكان مهما لهما بقدر عزلتهما بأنفسهما عن الناس، كرسا أنفسهما لتلك الخلوات بقدسية؛ لذا اشتروا سيارة مخصصة ومعدة لهذا الغرض جاهزة للانطلاق بهما في أي وقت بعيدا عن صخب الغابة الاسمنتية كما كان يسميها عماد.

ذات يوم قال منذر لعماد: ما رأيك أن نجرب مكانا جديدا هذه المرة
عماد: لا أعتقد أن هناك مكانا لم نزره حول حدود مدينتنا
منذر: هناك مكان لم نزره من قبل
عماد: أين؟

منذر: واد يبعد قليلا عن المسافة التي اعتدنا قطعها بحثا عن الخلوة مع الطبيعة
عماد: لا تسألني عن رأيي وانطلق نحو هذا المكان!

وبعد وصولهما للوادي انبهرا من جمال الوادي وخضرته بالرغم من قحوله الصحراء من حوله، لم يترددا بالوقوف والنزول ونصب خيمتهما وإنزال حوائجهما؛ استعدادا للسمر.

كانا يقضيان ليالي الرحلات في الحديث عن ذكرياتهما في المدرسة لأنهما يجدان متعة في الحديث مع بعظهما وكأنهما شخصا واحدا يحدث نفسه، بقيا عطلة نهاية الأسبوع في الوادي وعندما قررا العودة في صباح اليوم الأخير لأن منذر لا يحب القيادة ليلا.

بدأ الاثنان بجمع حاجياتهما وقام عماد برمي بقايا الطعام في الوادي بلا عناية أو حفظ لها في كيس قمامة، استاء منذر لهذا العمل لكن عماد برر له ذلك بقوله أنه لو وضعها في كيس فلن تأكل منها دواب الأرض وسيخسرون الأجر والثواب في ذلك؛ تحرك الاثنان عندما انتهيا من جمع حاجياتهما للمدينة، في الطريق صرخ عماد قائلا: تمهل نسيت هاتفي!!

منذر: هاتفك!.. كيف تنسى شيئا مهما كهذا؟!

عماد: دعنا نعد فأنا لا أستطيع الاستغناء عنه أو استبداله ففيه معلومات هامة
عاد الاثنان للوادي وتوقفا في نفس مكان تخييمهما وبدآ بالبحث عن الهاتف، وما هي إلا دقائق حتى صرخ عماد قائلا: وجدته!!

منذر: الحمد لله لنعد إذا
عماد: انتظر
منذر: ما بك!

عماد: ألم تلاحظ شيئا غريبا؟

منذر: لا.. عن ماذا تتحدث؟

عماد: القمامة التي رميناها
منذر: ما بها؟

عماد: اختفت
منذر: أليس هكذا هدفك؟ أن تأكل الدواب بقايا اللحوم والعظام كي تكسب أجر إطعامها
عماد: وهل الدواب تأكل بقايا النار التي أشعلناها أيضا؟

منذر: إلى ماذا تشير؟

عماد: هناك أمر غريب يحدث
منذر: إذا لننزل ونتفقد المكان
نزل الإثنان وبدآ يتفقدان المكان وبعد قليل قال منذر: عن ماذا نبحث بالضبط؟

عماد: لا أعرف لكن الأمر مريب
منذر: ومتى ستنتهي ريبتك الليل سيحل قريبا
عماد: حسنا إذا لنعد
منذر: انتظر.. أنظر إلى هذا
رفع منذر من الأرض قطعة بحجم وشكل ورقة من مادة أشبه بالجلد ورائحتها نتنة وقال: ما هذا؟

اقترب عماد من صاحبه وأخذ القطعة وقلبها ليجد كلاما مكتوبا بخط أسود يشبه الكحل وبخط رديء لكنه مقروء، قرأ عماد ما كان مكتوبا: شكرا على إطعامنا..كان الطعام لذيذا.. تحت الصخرة امتناننا.. هل من مزيد؟

منذر: ما معنى هذا الكلام؟

عماد: أنظر إلى تلك الصخرة الكبيرة

توجه عماد نحو الصخرة وبدأ يبحث داخلها ثم نهض وبين يديه شيء يلمع
منذر: ما هذا
عماد: لا أعلم لكنه يبدو ثمينا جدا
منذر: يجب أن نرحل بسرعة
وفي الطريق قال عماد: ما الذي حدث ومن أطعمنا؟

منذر: أعرف أنني يجب أن أكون مبهورا لكني لست كذلك

عماد: ماذا تقصد
منذر: من الواضح أن المسألة مزحة إما منك أو من شخص آخر
عماد: أقسم بأنه لا علاقة لي بالموضوع
اكمل منذر القيادة حتى وصلا لأحد المحلات المتخصصة في الحلي والمجوهرات وقال: هذا المكان سيؤكد لك أن ما بين يديك مجرد قطعة من الزجاج

عماد: سنرى
عرضا القطعة على الصائغ الذي تفحصها لفترة ثم قال: من أين لكما هذه القطعة؟

منذر: أخبرنا قيمتها فقط
الصائغ: هل سرقتموها
عماد: نحن لسنا لصوصا
منذر: لم تقول ذلك هل هذا الحجر ذو قيمة عالية تستحق السرقة؟

الصائغ: هل تريان هذا المحل بما فيه من ذهب ومجوهرات؟

منذر وعماد: نعم
الصائغ: مجمل قيمتها لا يعادل قيمة هذا الحجر
منذر: هل تهزأ بنا؟

الصائغ: لا أعرف من أين حصلتما عليها لكنها من أندر أنواع الماس وحتى الماس الموجود في العالم ليس بهذا الحجم أو النقاوة
عماد: ماذا تقصد
الصائغ: أقصد أنكما تسيران بثروة قد تعرض حياتكما للخطر

منذر: أين يمكننا بيع هذا الحجر
الصائغ: ليس هنا لكن هناك صائغ في العاصمة يمكنه دفع قيمة مثل هذا الحجر ويمكنني إرسالكما له وتزكيتكما عنده
عماد: لا شكرا

خرج عماد وتبعه منذر قائلا: لم لا نبيعه ونصبح أثرياء؟

عماد: لأننا لم ننته بعد
منذر: من ماذا؟

عماد: سوف نطلب إجازة غدا وبعدها سأخبرك
في الصباح الباكر عرج عماد لمنزل صديقه منذر وقال عماد لمنذر: هيا نطلب إجازة ثم نتوجه للوادي

منذر: هل أنت جاد؟ بالثروة التي سنحصل عليها سأبتاع الشركة التي نعمل بها فماذا تنوي أن تفعل؟

أشار عماد للخلف فالتفت منذر وشاهد السيارة ممتلئة بصناديق من الفاكهة

منذر: لم هذا
عماد: هل أنت أحمق أم تتحامق؟ لقد قدم لنا جوهرة نفيسة مقابل بعض القشور، ماذا تظن أنه سيقدم لنا مقابل فاكهة طازجة؟

منذر: هل تعرف عمن أو عن ماذا تتحدث؟ نحن لا نعرف ما الموجود في الوادي ويجب أن نبلغ أحدا

عماد: نبلغ من؟ لن يشاركنا أحد هذا الاكتشاف وسوف نستغله لآخر قطرة

منذر: فكر بتعقل.. الأمر مريب كما قلت، والذهاب للوادي مرة أخرى مخاطرة
عماد: لا تقلق لن يحدث شيء سوى أننا سنصبح أثرياء

بعد مسيرة ساعات وصل الاثنان للوادي

عماد: الآن سوف نضع الأطعمة في نفس المكان الذي رمينا فيه القمامة ثم نبتعد نفس المسافة ونعود
منذر: ثم ماذا
عماد: ثم سنرى حقيقة الأمر
نفذ منذر ما طلبه عماد وفي طريق العودتهما للوادي بعدما وضعا الفاكهة قال منذر: لدي شعور سيء

عماد: لا تكن متشائما سنجد جوهرة أخرى أو ربما جوهرتين وعندها يمكننا الاكتفاء

منذر: هل تعدني أنها تكون آخر مرة
عماد: أعدك

اضف تعليقك (سجل دخولك للموقع اولاً)
loading...

قصص مقترحة لك