ومن الحب ما قتل

ومن الحب ما قتل

قصص نساء بلا رحمة

لو كانت هي أيضا تحبه . لأحبت العذاب معه ومن أجله . . لو كانت تحبه لسارعت إلى الموت لتكون معه في العالم الآخر . . ولكنه كان يتعجل كل شئ . يريدها أن تحبه من أول نظرة كما أحبها . يريدها أن تكون له وهي لا تعرفه وكان من الصعب عليها أن تجيبه إلى كل شئ . . فقد نسي إنها لم تسترح إلى أسلوبه في معاملتها : لم تعجب بالرجل الذي يكذب على نفسه وعلى غيره .فهي فقيرة ولا يخفى هذا على أحد . وهي إبنة غير شرعية . وترى في ذلك نعمة كبرى لأنها ليست مرتبطة بأم أو أب . ولا يطالبها أحد بأن تكون " بنت ناس " فهي بنت وهذا يكفي .
وهي لا تتوقع أن يزورها عم أو خال أو إبن عم أو إبن خال . وإنما هي وحدها التي التي تختار من الناس من يعجبها . وهي سعيدة بأنها وحدها في هذه الدنيا . . شجرة برية . . أو حيوان بري . . والناس يفضلون البنت الوحيدة الجريئة . فكل واحد يطمع فيها . أو يطمع أن يقوم لها بدور إبن العم أو إبن الخال أو الأخ أو الأب . وهم جميعا كاذبون وهي تعرف ذالك . وتعرف أيضا إن الناس جميعا ممثلون بعضهم ردئ كالذين لا موهبة لهم وبعضهم على درجة كبيرة من الموهبة . ولكن ليس عندهم صبر وجلد على الاستمرار . وهذا أفضل لأنهم يتسافطون في الطريق إليها . . وتنشغل بغيرهم من الناس . وأحسن عذاب للغزاة أن يموتوا وهم يحترقون . وهذه هي لذاتها الكبرى .


وهذه الخبيرة

بصنوف الرجال إسمها مودموزيل لاكلايرون أشهر ممثلة في فرنسا في عصر الملك لويس الخامس عشر . ومعشوقة البلاط وحلم النبلاء وهدف الأغنياء والأفاقين في ذلك العصر . . وكانت شديدة الذكاء والغرور أيضا . وتقول في مذكراتها : أما إني ذكية فقد تعلمت ذلك من أغبياء الرجال . وأما إنني مغرورة فكل فنان كذلك . . فإني واحدة كما إن باريس واحدة في هذه الدنيا .

سألها الملك لويس الرابع عشر ( أي مدموزيل لاكلايرون بطلة هذه الحكاية ) بعد أن فرغت من تمثيل إحدى رواياتها : يا آنسة لاكلايرون ألم يكن من المناسب أن تترفقي بعشاقك ليلة أمس ! وكان الملك يشير إلى أنه هو شخصيا كان يريدها أن تبقى معه وقتا أطول ، لولا أنها اعتذرت بأن صديقا أخر ينتظرها بالباب . فكان رد مدموازيل لاكلايرون : مولاي أنت تجلس على عرش فرنسا . ماذا تفعل يا مولاي لو دق بابك كل رعاياك وطلبوا إليك أن تعطيهم يدك ليقبلوها !

فقال لها لو طلبوا لفعلت . قالت : إذا أعطني يدك بالنيابة عن فرنسا . ومدت يدها ثم قلب يدها وقبلها وهو يقول بالأصالة عن نفسي !

ومدموازيل لاكلايرون هذه قد طال عمرها وعاشت بالطول والعرض وقبل وفاتها بقليل كتبت مذكراتها بعنوان " مذكرات ايبوليت لاكلايرون " ولم تخفي عن قرائها أي شئ . اعترفت بعشاقها وأسمائهم . وقد أدت هذه المذكرات إلى فضيحة الجميع . ولم تحاول أن تتستر على ضعف الرجال من النبلاء والأغنياء . ولم تكد تصدر هذه المذكرات حتى اختفت في أيام فقد أخفاها كل الذين وردت أسماؤهم فيها . بل إن أحد النبلاء قد اشترى أكثر من ألف نسخة خوفا على والدته التي لم تكن تشك مطلقا في إخلاص أبيه . ولكن تفاصيل هذه المذكرات قد تناقلها الناس . بل إن هذه المذكرات قد أعيد طبعها وأضاف إليها الناشرون قصصا كثيرة من عندهم . وراحوا يهددون بها الأسر النبيلة في فرنسا . .



من هى الانسة لاكلايرون
ولدت الآنسة لاكلايرون في مدينة كونديه سنة 1733 والمدينة تقع على الحدود بين فرنسا وبلجيكا . وعرفت الآنسة إنها إبنة جاويش في جيش الملك لويس الخامس عشر . واتجهت بنفسها إلى التمثيل . فهي التي ذهبت إلى فرقة ( الكوميدي الإيطالية ) وطلبت أن تكون بين أفرادها .وكانت في الثالثة عشرة من عمرها . وعندما قدمت نفسها لمدير الفرقة . سألها هل تعرفين إن هذه المهنة صعبة جدا ؟ قالت : أعرف . قال لها : هل تعرفين مدى هذه الصعوبة ؟ قالت : سمعت عنها الكثير . ولكن أعتقد إنني لا أصلح لأي شئ آخر . وأشار مدير الفرقة إلى غرفته وأقفل عليها الباب . وخرجت الانسة لتقول مهنة صعبة . ولكن هذا الذي حدث هو أصعب ما في هذه المهنة ! ولكنها اعتادت على هذه الصعوبات العنيفة في سن صغيرة . وساءت سمعتها . وعندما رشحوها سنة 1743 لتقوم بدور البطولة في مسرحية " فيدرا " للأديب العظيم راسين تردد الكثيرون وقالو : ولكن سمعتها ! وقال مدير الفرقة : الإنجيل يقول فليرمها بحجر من كان منكم بلا خطيئة .

إذن لقد تحول مدير الفرقة مدافعا عنها . وتعودت على كذب الرجال الكبار ـ وكان مدير الفرقة يكبرها بأربعين عاما ـ وركبت أعناق الذين هم أكبر سنا ، وأضعف خلقا ، وأعمق سفالة ، ارتفعت إلى قمة المسرح الكوميدي . ولكنها كانت موهبة . وكانت أجمل نساء عصر الملك لويس الخامس عشر هذه حقيقة لا شك فيها . وقد تحدث كثيرون من الأدباء والممثلين والمخرجين عن ( أجمل مخلوقات الله ) وأخبثها وأقدرها على تعذيب من يستحق العقاب من كل أبناء عصرها .

و قاومت كل رجال العصر وقررت أن تكون الممثلة الأولى في فرنسا . ترامى الرجال عند قدميها . وظلت عالية الراس . وتساقطت الورود حولها . وتحطمت القلوب عندها . ولكن كانت آمالها أعلى وأقوى من كل هذا الذي يلمع في عيون الناس ويبرق في أيديهم . وسدت أذنيها عن الكذب الجميل . وأمسكت شفتيها عن الشفاه المرتجفة . فهي مشغولة عن كل شئ . إنها تريد أن تكون شيئا . أن ترد اعتبارها . أن ترتفع بنفسها عن أصلها الوضيع .

بداية الحب وفي مذكراتها تروي أعجب قصصها ولك أن تصدق أو لاتصدق ففي الدنيا أشياء كثيرة لا يفهمها العقل . فما يزال العقل في أول مراحله ، إنها تساهم بقصة تضاف إلى ملايين الألغاز في العلاقة التي بيننا وبين السماء . أو بين هذه الحياة وما بعد الحياة . وتقول الآنسة لاكلايرون إن شابا من أجمل شباب باريس تعلق بها ومالت إليه وأحبها جدا . وعرف الناس جميعا ذلك . وراحت تسأل عنه . والذي عرفته لم يعجبها فهو ليس من الأغنياء ، ولكنه حريص على أن يبدو كذلك . ثم هو يتنكر لأصله . ويدعي أنه من سلالة ثرية أبا عن جد . ولكنها هي وحدها التي عرفت حقيقته . وكان في استطاعتها أن تفهم لماذا يحاول إنسان فقير وضيع أن يبدو نبيلا غنيا فهو مضطر إلى أن يفعل ذلك لعله يلفت نظرها . أو يصرف نظرها عن مئات الأثرياء الحقيقيين الذين سدوا الطريق إليها . ولكنها كرهت أن يكذب الرجل في عواطفه أو في علاقاته الاجتماعية . لو قال لها : إنني فقير مثلك . حقير مثلك . ولكني أسمو على كل شئ بحبك . لو قال ذلك لأحبته وضحت بالدنيا كلها من أجله .



متى يكون الكذب ومتى يكون الصدق؟؟؟!!

ولكن الرجال يكذبون . لكي يبدوا أكبر . ولو صدق الرجال لكانوا اكبر . . ولكن الرجال لا يعرفون المرأة . وتقول : لا يعرفون هذا الطراز الغريب من النساء . إنهم لا يعرفون بالضبط ما يعجبني . إنني رقيقة ، هذا واضح ولكني أحب العنف . إنني صر يحة ولكني أحب أن أكذب وأن يصدقني الناس . . وفي لحظة واحدة أحب أن أكون صادقة حتى آخر قطعة في عظمي ودمي . . أحب الكذب طول الوقت . . وأحب الصدق العميق لحظة النشوة . أيها الرجال أنتم علمتم المرأة كل شئ . ونسيتم أن تتعلموا من المرأة شيئا واحدا : متى يكون الكذب ومتى يكون الصدق ؟؟!! .

هذا الشاب واليكن إسمه ( ميم ) أحبها بجنون ـ أي أحب الآنسة لاكلايرون ـ وأغرب من ذلك إنه أرادها أن تكون له وحده . وهذا شعور طبيعي ، ولكن ليس له ما يبرره من العلاقة العارضة العابرة بينه وبينها . ولكن قلب المرأة يتفتح إذا دقت الشفقة بابه . . فالمرأة أم بطبعها . . أم لأي رجل . أصغر أو أكبر منها . وعندما أحست الانسة إنه سوف يعطلها عن العمل في المسرح . أشارت إلى الذين حولها أن يبعدوا عنها الشاب ميم . ولكن ملايين الأيدي لا تسطيع أن تفعل نفس الشئ بقلبه ولسوء حظ القلوب إنها أبعد من الأيدي . ولذلك إذا استقر فيها داء الحب . فلا تستطيع يد الطبيب أو العشيقة أن تعالجه أو تحطمه .

وراح يبعث إليها بخطابات طويلة . . تكدست الخطابات . . ولم يكن في استطاعتها أن تفتح هذه الخطابات ولكن حب الاستطلاع جعلها تفتح واحدا منها . وكان ما توقعته ! حب مجنون أو جنون الحب . في خطاب يقول لها : لولا أن الانتحار سوف يحرمني من العذاب لأنهيت حياتي . ولكن حياتي هي عذاب البعد عنك . ولذالك سوف أعيش مهما كانت هذه العيشة .



رسالة غامضة
وفي إحدى الليالي جاءتها رسالة عاجلة في الليل مع سيدة عجوز . الرسالة تقول : إنني مريض . وأريد أن أراك . فقط هذا أملي ! وكان في بيت الآنسة عدد كبير من الضيوف . وكان من عادتها أن تغني وترقص وتشرب وتغني ثم تودع ضبوفها جميعا . ومن النادر أن تستبقي منهم أحدا . وتقول في مذكراتها : تعلمت من الرجال ألا أشعرهم بأن هناك واحد أفضل من الآخرين . . وإن كانوا يعلمون إنني لابد أن أختار واحد منهم . لكن لا يحطم قلب الرجل إلا شعوره بأنه في منافسة . إن هؤلاء الرجال يفضلون أوهامهم الجميلة . ولكن ليست عندهم شجاعة كافية . . كم تمنيت ولو مرة واحدة أن أجد رجلا يمسك سوطا (كرباجا) ويضرب كل هؤلاء الموجودين ويختارني بالقوة , ويطردهم بعنف . . ويسد الباب في وجه الدنيا . وأن يمنعني من الذهاب إلى المسرح . . ولكن أحدا لم يفعل ذلك !



سماع صرخة رهيبة !!
وتأثرت الآنسة لهذه الرسالة المتأخرة وقررت أن تذهب لزيارة الشاب المريض ولكن ضيوفها منعوها . وعادت العجوز مع اعتذار رقيق . وعادت الآنسة إلى الغناء . وغنت . وعندما انحنت لتصفيق ضيوفها . سمعت صرخة رهيبة تمزق الليل . وجمدت الدماء في وجوههم . وبعضهم ترامى على مقعده . وتلفت الجميع حولهم . وأمسكوا المشاعل وراحوا يفتشون كل غرفة في البيت بل إن بعضهم خرج من البيت إلى البيوت المجاورة . ولكن لا أثر لأي أحد . . وكانت الساعة الحادية عشرة مساءا !!!

وخافت الآنسة أن تبيت وحدها وطلبت من عدد من الموجودين أن يشاركوها بيتها لا فراشها . وناموا حولها على الأرض وظلت هي على فراشها تتقلب حتى الصباح . وعند الصباح جاءت العجوز تقول لها : إن المحب الولهان قد توفي أمس وهو يصرخ من الألم والهوان عند الساعة الحادية عشرة مساء !

وفي الليلة التالية وفي النفس الساعة سمعت الصرخة الأليمة . وكذلك كل من معها بالبيت . وظن ضيوفها أنها نكتة سخيفة من واحد من الجيران فانطلقوا إلى الشارع ولم يجدوا أحدا . وفي اليوم الثالث وقبل الساعة الحادية عشرة بدقائق توزع الحاضرون في كل غرف البيت وأمام الباب . . وفي الشارع . . ولما حانت الحادية عشرة تعالى الصراخ يهز الجميع .وفي اليوم الرابع جاء رجال الشرطة وكانت دهشتهم أعنف ولكن أحدا لا يدري معنى هذا الذي حدث . وأحست الانسة بالحزن العميق لأنها لم تذهب إلى لقاء ( ميم ) في تلك الليلة . و اعتادت على الصراخ .

وفي إحدى المرات قررت أن تتاخر في المسرح إلى مابعد الحادية عشرة . . وعندما وقفت على باب المسرح في انتظار عربتها التي تجرها الخيول جاء أحد عشاقها وعندما كان يودعها ويقبلها على خدها حدث شئ غريب . فقد أحس إن سيفا من الثلج يمر خاطفا في هذه المسافة الصغيرة بين شفتيه وخدها . ومع السيف البارد صراخ ملتهب . . وسقط الرجل على الأرض وهربت هي إلى عربتها .

وتذكر الانسة لاكلايرون إنها ذهبت مع فرقة ( الكوميدي الفرنسية ) إلى قصر فرساي . وكان لابد لها أن تبقى هناك ثلاثة أيام احتفالا بزواج ولي العهد . وكان لابد أن تشارك إحدى الممثلات غرفتها . وقبل أن تنام الآنسة لاكلايرون قالت وهي تداعب زميلتها في الغرفة : أخشى أن نسمع أي صوت في هذا الجو الخانق !

ولم تكد تكمل هذه العبارة حتى انطلقت الصرخة تزعزع كل من في قصر فرساي . . حتى الملك قد قفز من سريره . ولما سأل عن السبب قيل له : أنه أحد السكارى تحت النافذة . وأمر الملك أن يضعوه في السجن فورا !!! ولم يشأ أحد أن يقول للملك حقيقة ما حدث وحدث شئ من التغيير . فبعد أن فقد الصوت الصارخ أثره على الآنسة لاكلايرون تحول الصوت إلى طلق ناري . ففي كل ليلة وفي نفس الموعد . ترى الآنسة من النافذة طلقا ناريا مدويا . وهو موجه إلى نافذتها . فإذا خرج أحد من الناس ليفحص النافذة لا يجد أثرا لأي شئ . . وظلت هذه حالها ثلاثة شهور أخرى . . وقد تحرر بذلك محضرا في باريس في أغسطس سنة 1744 .

واعتادت على هذا الصوت . ولم تعد تفزع له . وأصبح نكتة . وكانت تداعب عشاقها فتخرج بهم إلى البلكونه قبل الموعد المعروف . وعند الحادية عشرة يدوي عيار ناري يفزع العشاق وتضحك هي لذلك . وأصبحت الانسة نجمة شهيرة . وظلت على قمة الأداء المسرحي أكثر من عشرين عاما . وانتقلت إلى بيت تملكه .

وفي إحدى الليالي جاءتها العجوز التي حملت لها رسالة العاشق المجنون وروت لها إنها كانت تعني بهذا الشاب في أيامه الأخيرة . وقالت إنه كان يحبها . وكان يعلم صعوبة هذه العاطفة . ولكنه لا يدري ما الذي يفعله . إنه يحبها . هذا صحيح . وهو في نفس الوقت يجب أن يعيش من أجل والديه المريضين وأن يعينهما على الحياة . ولكنه لا يستطيع أن يضحي بحياته من أجلهما . فمن حقه هو أيضا أن يعيش . وشاء القدر أن تكون الآنسة هي حبه الأول والأخير . وفي الليلة التي تمنى أن يراها فيها حاول أن يقف على رجليه . . وأن يموت عند بابها . ولكنه لم يستطع . وسقط من فراشه . وكانت النهاية . وسألت الآنسة : ولكن لماذا هذا الصراخ ؟؟ !! وقالت العجوز : سوف يظل هذا الصوت يطاردك بعدد سنوات تعذيبك له . . ألف يوم تماما ! واختفى الصوت بعد هذه المدة . . واختفت العجوز أيضا ! وظلت " الآنسة " سيدة المسرح الفرنسي أكثر من 22 عاما . ثم اعتزلت المسرح سنة 1766 ، وفتحت مدرسة للفنون المسرحية ، وعاشت أربع سنوات بعد الثورة الفرنسية . وماتت سنة 1803 . ويبدوا أن شيئا غريبا قد حدث لها بعد كتابة مذكراتها . تقول في الصفحة الأخيرة من المذكرات : " عندي شعور غريب بأنني سوف أموت قريبا . لا أعرف سر هذا الشعور . ولكن الصوت الذي كان يسمعه الناس معي . . هذا الصوت أصبح يهمس في أذني ويقول : تعالي . . ومن الغريب إني أصبحت دون شعور مني أقول له : سوف أجي . . ويقول لي الصوت : بعد شهر واحد واقول له : لن أتأخر يوما . وماتت بعد شهر بالضبط !


منقول من كتاب انيس منصور اشباح واروح

Telegram