رواية السحر الأسود || الفصل الثالث

رواية السحر الأسود || الفصل الثالث

رواية السحر الأسود

ساد صمت حاد حاولت جوانا خلاله التفكير في رد مناسب, ولكنها في النهاية تخلت عن المحاولة, وقالت بنزق" لا حاجة لأن تبدو سعيدا هكذا بما تقول, فقد يظن الناس أنك ترحب بمن يتلف لك أغراضك وأثاثك"
وفكر بما قالته وعيناه نصف مغمضتين"لا..لا أظن أن بامكانك قول هذا, أنا لا (أرحب) بالضبط ولكنني لا أعارض أن تكوني مدينة لي"
"ولماذا؟"
بدا كأنه يزن رده ومدد جسده براحة في المقعد القديم وأغمض عينيه وتساءلت ما اذا كان قد نام تحت تأثير الدفء وأسئلتها المربكة, ولكنه عندما تكلم في النهاية كان كلامه لا علاقة له بسؤالها" هذه غرفة مريحة جدا"
"شكرا لك, لماذا تريدني مدينة لك؟"
فابتسم متراخيا "مجرد نوع من التكتيك"
"تكتيك؟ أتمني أن تتوقف عن تهديداتك المبطنة وتخبرني بما تفكر بصراحة"
فتنهد" كنت أشعر بالارتياح, أحذرك أن هذا لن يعجبك, هل سترمينني الي الخارج لحظة سماع ما سأقول؟"
وبدا ساذجا وبريئا في إمساكه بفنجان القهوة بين يديه وضمه الي صدره حتي وجدت جوانا نفسها تميل الي المرح مرة أخري وتبدأ بالضحك" ممكن جدا, وهل تريد ضمانة قبل أن تبدأ؟ حسنا...اذا أخبرتني الحقيقة لن أغضب"
فتمتم متعمدا إثارتها" أوه...ولكن هل أستطيع الاعتماد علي كلمتك؟"
"أظن هذا, اذا كان الطفلان لم يدفعاني لفقدان أعصابي والخلال بوعدي فلا أظن أنك ستؤثر بي كثيرا"
فرد عليها ساخرا" انها فكرة مطمئنة"
ووضع الفنجان من يده وعلي الرغم من أنه كان يبتسم فقد ظنت أن بامكانها كشف عدة تعبيرات غير مريحة علي وجهه
"أول شيء الأفضل أن أقدم نفسي"
"ولكنني أعرف اسمك"
"وهل هذا يكفي؟"
فهزت رأسها" الا اذا رغبت في إظهار رخصة قيادتك أو شارتك البوليسية أو أي شيء من هذا القبيل"
"ماذا؟"
"أو بطاقة المخابرات الخاصة بك"
"أنت مجنونة... لقد عرفت هذا"
"لا...لا...حتي ولو

كنت مجنونة فهو نوع من الجنون يشاركني فيه الكثير فالسيد هوب يقول أنك لست كما تبدو, ويظن أنك عميل سري ولكنه لم يقرر في أي جهة أنت"
"وأنت تظنين أنني عميل سري محلي, لماذا؟"
"حسنا لم تبدو لي قادم من أصقاع روسيا"
"انه منطق خاطئ يا صغيرتي فربما أكون جاسوسا ل( كي جي بي) السوفيتية ولا يمكنك الحكم بالمظاهر"
"لم أفكر بذلك"
"حسنا فكري به المرة القادمة, هل هناك المزيد من القهوة؟"
"لست أدري اذا كانت لا زالت ساخنة,....هل جثت الي عندي كي تعترف بأنك جاسوس دولي"
"هل تصدقينني ان قلت نعم؟"
"ليس لدي أي سبب لعدم تصديقك لذا أستطيع القول ...نعم أصدقك"
"أنت تغرينني ..فعلا...ولكنني لا أستطيع الكذب علي بريئة ساذجة مثلك, أنا خبير بترول, لا أكثر ولا أقل"
وفكرت جوانا بردة فعل وصوله الي القرية علي أهلها, وكبحت ضحكة وأقنعت نفسها بالاعتدال"لا أصدق هذا"
"أؤكد لك لقد أمضيت معظم أيامي في الخارج, أدرس الخرائط وأنفذ الخطط"
"أين؟"
"في الشرق الأوسط, وشمال إفريقيا, كنت أبني موقع حفر البترول هناك"
"ولكن هذا ما يعمل به أخي, انه يعمل لمؤسسة كبيرة في استراليا مع انه لم يحصل علي أي هادات"
"نحن ندعوهم مستشارين, وأعلم ما حصل ل ريتشارد, لقد.."
"هل التقيت به؟"
"عملت معه, في الواقع عملت معه في استراليا وأقمت معه ومع لودي فترة قبل مقتلها"
"صحيح؟ ولكن لماذا لم تقل هذا علي الفور؟ وما هي الظروف التي أوصلتك الي هنا؟ ......لم تكن فرصة أليس كذلك؟"
"أخشي أن لا تكون صدفة"
فوقفت وتقدمت من النافذة تحدق الي الخارج نحو عتمة الحديقة وأحست بقشعريرة برد تجتاح جسمها وشعرت بجفاف في حلقها, لابد أنه قد أتي ليبلغها أن عليها إرسال الأطفال الي جدهم, وأن ريتشارد قد قرر لهما مستقبلهما وهو والدهما, وتذكرت طفولتها معه فهو لم يستخدم أبدا الورق لتحرير أوامره بل كان يرسل من يملي التعليمات كي يقلب حياة الجميع رأسا علي عقب وقالت بصوت بارد" تابع كلامك"
"الأفضل أن تعودي للجلوس فالأمر ليس سهلا"
"ألهذا أخرت قوله لي ,ماذا؟ ثلاثة أسابيع؟ ألم تستطع مواجهتي من قبل؟"
"حسنا, أنا لم أتلق استقبالا حماسيا في البداية حتي وقبل أن تعرفي من أنا...انظري ,بامكاننا لبحث عن حل فلا تنزعجي"
"لست منزعجة, أظن أن ريتشارد طلب منك أن توصل الأولاد الي جدهم, وليس لدي ما أقول سوي أنني لن أفعل شيئا قبل أن أكتب له, هل أنا واضحة في كلامي؟ والآن أرجو أن تذهب من هنا"
تجاهل كلامها وأمسك بيديها ليجبرها علي الجلوس وقال بلطف" توقفي عن الارتجاف, فان ريتشارد لم يكلفني بشيء , ولو فعل فلن أوافق, فتوقفي عن تعذيب نفسك, ما الذي أعطاك مثل هذه الفكرة؟"
"ألن....تأخذهما...ولكن....ريتشارد قال....أعني ....لقد وصلتني رسالة منه...."
"اذن لابد أنه شرح لك"
"لا...لقد ....كانت رسالة غامضة, وفهمت منها أنه يريد أن يعيد الأولاد الي أهل لودي, اشتكي من مدرسة القرية وقال أن بوب بحاجة الي استقرار في حياته, فماذا يمكن أن أفكر غير هذا؟"
"هل قال هذا؟ أستطيع اذن فهم ارتباكك, يبدو أن ريتشارد ليس أفضل مني في شرح ما يريد, ولقد أعطاني رسالة أوصلها لك وأرجو أن يكون قد شرح لك فيها بشكل أفضل, ولكن من الأفضل أن أعطيك شرحا مبسطا أولا, فعلي الأقل ستتوقفين عن القفز الي الظن السيئ"
وعاد نحو المدفأة ووقف ويداه وراء ظهره يحدق باللهب" لست أدري كيف أبدأ, يبدو الأمر مهينا, أترين...ريتشارد قلق علي الأولاد, ولقد أجروا عليه في المستشفي العديد من الفحوصات والتجارب وسيقومون بالمزيد, وهو ليس ملازما للفراش طوال الوقت ولكنه ببساطة لم يتخلص بعد من تلك الإصابة والأطباء لم يعرفوا ما هي, ومن الواضح أنه مرتبك جدا لعدم تقدم حالته, لقد طلب مني أن أذهب لأقابله"
حدقت به فتنفس عميقا وتابع" لقد كان ثائر الأعصاب, وقال أن شيئا ما يجب أن يتم من أجل الأولاد وبشكل دائم, ولا يمكن أن يعيشا كضيفين مؤقتين معك, ولا يظن أن هذا إنصاف لك من بين أشياء أخري, لذا...اقترح أن... يريدهم الذهاب الي مدرسة بعيدة"
"بعيدة؟ أتعني مدرسة داخلية؟ كلاهما؟ ولكنهما صغيرين جدا,وسيكرهانها...أوه...لا يمكنه فعل هذا! وأنت لا تستطيع كذلك, لن أسمح لك ,سأرسل برقية ل ريتشارد...وسأقابل المحامي في الغد, لن تستطيع..."
فرد عليها بهدوء" بل أستطيع, أو بالأحري أستطيع اذا حكمت علي الموضوع بشكل صحيح, فقد عينني ريتشارد وصيا عليهما في غيابه, ولقد عرضت الوكالة علي مكتب محاماة حين وصلت الي كندا, ولهذا السبب لم أكلمك في الأمر من قبل, لقد أردت معرفة موقفنا القانوني, ويقول المحامي أن معك قضية محقة اذا أردت المقاتلة لأجلها, فالمحاكم عادة تتعاطف مع النساء اللواتي سيفترقن عن حملانهم الصغيرة"
قالت هامسة" لا تجرؤ مرة ثانية علي السخرية مني!
"لست أسخر والله يعلم! ولا ألومك علي شعورك بالحرارة, أردت فقط أن أقول لك أنك لست عاجزة تماما, ولديك القدرة علي المقاومة اذا رغبتي ولكن كما قيل لي العملية بطيئة ومكلفة, وسيكون من الأفضل للجميع وخاصة الطفلين لو اتفقنا علي ترتيبات معينة"
وجدت نفسها راغبة في البكاء فأدارت ظهرها له تبحث عن منديل" أي نوع من الترتيبات؟"
فضحك" لست أري فائدة في مناقشة الأمر الليلة, فلست في مزاج يسمح لك بالموافقة علي أي شيء , فلنترك الأمر للغد, سأجيء لأراك"
"لا أريد أن أراك ثانية"
"أنا واثق من هذا, ولكنه ليس مهم, أليس كذلك؟ سأترك لك رسالة ريتشارد"
وأعطاها الرسالة ولكنها بقيت مديرة ظهرها له فتنهد ووضعها علي ذراع المقعد
قالت بحرارة" الصدف! انني لا أؤمن بها...ماذا عن زجاجات الحليب؟ أراهن أنك كسرتها بنفسك لتجد عذرا بالدخول الي هنا, والمنزل...كيف اشتريت ذلك المنزل؟"
"قصر دراكولا؟"
"لا تسميه هكذا, انه منزل جميل"
"ولكنه قديم...أوه ..هيا, لن نختلف من أجل منزل"
"انه منزل قديم جميل, ولكنني أعتقد أن نوعه لا يعجبك"
"لقد كان هكذا وهو الآن...خرابه, انه قذر وملئ بالجرذان"
"ولماذا اشتريته اذن؟"
"انه يناسب روحي الرومانسية"
"لقد اشتريته لتتجسس علي, أليس كذلك؟ هل دفع ريتشارد ثمنه؟"
تقدم منها ليديرها اليه بحده وقال متجهما" هذا يكفي, لقد تسامحت بما فيه الكفاية مع صدمتك الطبيعية,....." وشاهد الدموع تترقرق في عينيها , فقال بلهجة أكثر اعتدالا" كنت بحاجة الي منزل ,فليس لدي أية روابط في كندا وبدا لي قصر دراكولا هذا مكانا مناسبا, ومن الطبيعي أن أرغب في أن أكون قرب الأولاد طالما أنا مسئول عنهم"
"لست مسئولا عنهما"
"قانونيا أنا مسئول, ماليا أنا مسئول, فلقد أرصدت الأموال لمستقبلهما وأنا الأمين عليها"
وللحظات حدقت في وجهه الهادئ دون قدرة علي الكلام وبدا من وراء نظارته أن يضحك منها, فتراجعت خطوة وأطلقت يدها نحوه بضربة قوية, فآلمتها يدها وأمسكتها بالأخري, وأحست بالذعر وهي تنتظر الرد...قال أخيرا بهدوء وسيطرة غريبة علي أعصابه" أنت متكدرة, وسأتركك الآن, ولكن اذا حاولتي فعل هذا مرة ثانية, فسأرد عليك بكل اهتمام"
فتراجعت خائفة الي الوراء, وقالت بفزع" أنا واثقة أنك ستفعل..ولكنني لن أفعل هذا ثانية, أنني آسفة لقد نسيت نفسي"
فابتسم لها" وأنا كذلك, لا بأس, أنا واثق أنني أستحق الصفعة, فلنقل أننا تساوينا ونبدأ من جديد, ألا يمكن أن نكون أصدقاء؟"
"صعب"
ودون أن تتوقع أخذ وجهها بين يديه وقال" أتعلمين أنك مشاكسة, وريتشارد قال لي أنك رقيقة ناعمة لن تسبب لي المشاكل, لقد أساء تقديرك تماما"
"أتمني هذا, فلدي كل النية أن أسبب لك القدر الأكبر من المشاكل"
"أصدقك تمام, حسنا...وداعا الآن"
وفجأة انحني ليقبلها, فاجتاحها الذهول ووقفت مدوخة ...ثم سمعت الباب الأمامي للمنزل يغلق بهدوء خلفه
للحظات ضاعت المسألة الأكبر في المسألة المستجدة الأصغر...وجلست تفكر في تلك القبلة, فكيف يجرؤ في أن يقبلها هكذا وكأنه بحاجة لأن يجعلها تطمئن؟
أخيرا مدت يدها الي الرسالة ففتحتها, وبدا لها أن مجرد فتحها للرسالة هو دليل ضعف وأحست أنها مشاركة في مؤامرة ريتشارد....
كتب لها بعاطفة ولكن كالعادة دون رابط, أول شيء ذكر لها عن حالته ومرت عليها مرور الكرام, ثم ركز ثانية علي انتقاد ضعفها وانتقاد مدرسة القرية وهذا ما أوصله الي صلب الموضوع, وفي جملتين قصيرتين عرض لمستقبل الطفلين ووضعهما مع عمتهما تحت رعاية برايان تورنبول....والإمضاء أخاها المحب, وهذا كل شيء.
تركت الرسالة تقع من يدها, ووضعت رأسها بين يديها, ماذا ستفعل؟ والي من تلجأ للنصيحة اذا لم يكن لشيء آخر؟
لابد أن محاميها سيؤكد ما قاله برايان, والسيدة بدفورد ستستمع اليها بحماس ولكن لن تستطيع فعل شيء, آرثر....انه فاتن وأهل للثقة عندما يكون لديه وقت ولكن نصيحته لن يكون لها طبيعة مؤثرة, وأخيرا أخذت أحزانها معها للفراش ونتيجة لها بالكاد استطاعت أن تنام.
لما تبقي من الأسبوع بقيت مشغولة تحضر حسابات المزرعة ل البريغادير بدفورد, وعندما لم تكن تطبع له البيانات كانت تتجول في المزرعة تجمع أرقام التكاليف وتقديرات الإنتاج من مدير المزرعة ومساعديه, لذا لم تتح لها الفرصة لأن تقص ما حدث لأحد.
ولكن مهما استطاع عملها أن يمتص تفكيرها خلال ساعات النهار, فهي لم تستطع أن تسيطر علي هذه الأفكار وهي ترتاح, فأمضت ساعات لا عد لها مستيقظة تشعر بالبرد , تدير في رأسها العديد من الخيارات....
بامكانها اللجوء للقضاء, بامكانها الهرب مع الأولاد, ولكن القضاء مكلف وغير مؤكد نتيجته, واذا هربت فلابد أن أحدا سيجدها, أنها عاجزة عن فعل أي شيء وهي تعرف هذا, وحاولت أن تفكر بمنطق.... ربما سيكون الأولاد أحسن حالا في مدرسة داخلية مع أتراب من عمرهما, ولكنها تعرف كم انزعجا من غياب والدهما المطول وموت أمهما, ولن يصدقا هذا....هذا المنزل الريفي وعمتهما جوانا يمثلان الأمان الوحيد الذي يعرفانه, وسيكون من الظلم إبعادهما.
شحب لون جوانا بشكل ظاهر وما أن حل مساء الجمعة حتي أصبحت عيناها حفرتين سوداوين في وجهها.
قالت لها ايزابيل بدفورد وقد ظهر عليها القلق" جوانا؟ عزيزتي, ما بك؟"
"ماذا؟ آه...مرحبا, أنا آسفة لقد كان تفكير ي بعيدا"
"لقد كان في القطب الشمالي, هل أثرت فيك مصائب جاك المالية, أهذا هو السبب؟"
"لا بالطبع..."
"هذا جيد, لا يجب عليك أن تتأثري بها, فنحن لو اضطررنا لبيع المزرعة فالحياة ستستمر, ورغم أن جاك لا يشعر بالأمر, ولكنه سيكون سعيدا في العيش بمنزل ريفي بسيط ليزرع خضاره بنفس
اذا لم تجد تكملة الرواية في الاسفل, اذهب للصفحة الرئيسية للموقع واستخدم البحث

Telegram