قصة  الجدران .. تتمزق

قصة الجدران .. تتمزق

قصص اجتماعية

قلت للزائرة أن تبحث أمري مع المسئول الكبير ، فوجودي مع هؤلاء النسوة الأكبر مني سناً يرعبني ، أنا لا أنكر أنني اقترفت ذنباً ، وأنني أستحق هذا النفي داخل جدران السجن ، ولكن ! مع هؤلاء تصبح للسجن أكثر من قضبان ..الزائرة:
كررت رجائي للزائرة : أرجوك .. أريد أن أكمل تعليمي ..لم يبق على نهاية السنة إلا شهران .. أريد الكتب .. وأستطيع أن أمتحن آخر العام ..من هنا ، وعدتني الزائرة التي توسمت فيها نبلاً ما وجدته عند أحد..لا عند أمي التي ماتت وشردتني ، ولا عند أختي التي تحولت في بيتها إلى خادمة .. ولا عند زوج أختي الذي تبرأ منه ضميره .. المجرم ؟!ألم تكوني قادرة على البوح لأختك بما يفعله زوجها ؟! ، هذا السؤال .. آه لو تدري الزائرة كم طرحته على نفسي ،  وكم ابتدعت من أجل الايحاء به لأختي مواقف علّها تسألني ..فأفرغ شحنة الهم التي تثقل علىّ الليل والنهار ، لكنها كانت صماء ، لا تسمع إلا نداء الجارات والأسواق ، وأولادها ؟!الأولاد :
سألتني الزائرة .. فحدثتها بكل شيء ، أولادها .. مهملون عندي ، أذهب في الصباح إلى المدرسة ، أفرغ من عفاريت البيت ، لكن مسافة النهار تنتهي إلى حيث أعود خادمة ، ترعى البيت والأولاد ، إنني أعمل أماً بالنيابة عن أختي ، والأمر تتطور ..الزوج:
زوجها ؟! ، أجل ! بقي في البيت ..يحاورني ..يداورني..يثيرني ، التقطت الزائرة الكلمة الأخيرة : كنتي تشعرين ببعض المتعة ؟! ، حاولت أن أهرب من هذا السؤال ، أن أكذب ، أو أتغابى لكنني أبيت أن أكذب على إنسانة لطيفة ودود ،

جاءت لتسمع قصتي ، وتساعدني ، وأبيت أيضاً أن أتغابى ، وأنا التي شهدت المدرسة كلها بذكائي ، وتفوقي ، رغم ما كنت أعانيه من تعب في بيت أختي ..اعتراف:
نعم ! ، أجبت الزائرة بخجل أحسسته يلسع وجنتي ، أجل أحس ببعض المتعة ، في البداية كنت أستسلم بدافع الخوف ، بعد ذلك صارت العادة جبارة ، وصار استسلامي بدافع تلك الرغبة التي تتفتح حين يبدأ ..الكارثة:
هكذا .. ، قالت الزائرة ، ودونت ملاحظة في دفترها الأصفر ، ثم أغلقت القلم وهي تلقي باستغرابها قائلة : أنا لا أتصور كيف لم تلاحظ أختك ، أو معلماتك الانتفاخ في بطنك ، وأنتي بعد طفلة لم تكملي عامك الرابع عشر !؟ ، تصورته أختي ورماً ، أو هكذا أقنعها زوجها ، حاول مرات عديدة أن يدوس على بطني .. لكنني أصرخ ! فيخاف صراخي ..أنا ..أنا.. أكملي ، أنا ما كنت أعرف ما هذا الذي أحمل ، لكنني فهمت أنه مصيبة تترصد أيامي القادمة..آلام المخاض والمدرسة :
كيف احتملت آلام المخاض ، ولم ذهبت إلى المدرسة ذلك اليوم ؟ ، هل جربت آلام المخاض من قبل ؟ سألت الزائرة اللطيفة .. شدت على أسنانها ، وقالت : لا لم أجب بعد ، ولكنني أسمع منذ طفولتي أصوات القريبات ونساء الحي وهن يلدن في بيتنا


لقد كانت جدتي أم أمي ، قابلة ، يدها مبروكة ، والنساء يفضلن يدها على أيدي الأطباء ، لو كنت أنت التي جربت ! كنت ستعرفين كم تكون اللحظة قاسية ! ، النساء في بيتكم كن يلدن في الفراش ..أما أنا ..فلحظة الميلاد ..كانت في مرحاض المدرسة ..الولادة والمرحاض :
يارب ..يارب ، يدي تضغط على الحائط ..أختي فعلت هذا ذات مرة قبل أن يحملها زوجها إلى المستشفي .. أكره أختي الآن ..هي ليست معي .. فتساعدني! ، زوج أختي فعلها ..وهو ليس معي ..رائحة المرحاض ، رائحة ذبحي تفوح ، ماء غزير ينسكب من عيني ، عرق ينبت من صدري


ويصب في مجرى صدري المتكور كنهر حزين ، يدي على الحائط ، أشد .. أشد.. أغرس لحم فمي بين أسناني ، عاصفة دائرية داخل أحشائي ، تتحرك باتجاهات متعاكسة ، دوران موج في يوم عاصف ، موجة تعلو ، تصل حتى كبدي الخاوي ، ثم إلى أسفل بطني ، تنتهي الرعدة العاصفة ، أتنفس ، لا أكاد حتى تعود ثانية أشد ، وأقوى ، كيد تعصر الجبل الشفاف داخل جسدي


تعبئه بقسوة يتكوم في مكان ، ثم آخر يصعد ، خفيفا ، ثم يرد إلى أسفل ، دوخة تلازم رأسي ، تدور الجدران وتتسع ، وتضيق ،تتفاعل مع حركة الجبل الطري ، ألوان تتشابك في عيني ، خيوط عنكبوت ، أكاد أغفو ، لكن الجبل في داخلي يوقظ النعاس ، يعلو يهبط ويدور ويدور ، رائحة المرحاض رائحة الماء المتدفق ، أتذكر رائحة نفسها ، رائحته ، زوج أختي .. يارب انقذني .. أعصر هذا الجبل .. ليسقط هذا الحمل ، ويحمي جسدي ، وليمت العار ، أتألم ..كيف السبيل إلى الخروج من هذا المأزق ؟؟هل أصرخ ؟هل أنادي إحدى العاملات ؟ هل اخرج إلى الساحة مستغيثة أجر مائي ودمي ، وفضيحتي ؟! ، صوت معلمة الدين يرن في أذني : وأما السبيل يسره ، إذن هو الله ،هو الله الواحد القادر على أن ييسر الطريق ، يسّره يا ربي ،افتحه ، أخرج هذا الذي في جوفي ، هو ليس لي ، هو لأختي ، لكنه تحدى الأخلاق والضمير والعقل ، وانزرع في بطني أنا ، تأتي العاصفة قويه ، يهتز الجبل ..يارب.. يسر.. يارب..
ويندفع الجل مرة واحدة ، يخرج الجبل من المضيق ، تتمزق الجدران وأسمعها تشق نفسها ، كما يشق قماش الثوب السميك ، شيط.. شيط ..المولود :
نزف ! بركان ! عرق ! كله يتختلط بكله ،أصرخ صرخة واحدة  ، و تتكوم أمامي قطعة لحم متحركة ، لها رأس وجسد ، ونبض ، ها هي بين قدمي راكدة ، تتعلق بحبل يمتد حتى داخلي ، اسحب بكسل وتراخ متعب ، تندلق قطعة حمراء أخري ، لكنها بلا رأس ، بلا يدين ، بلا نبض ..أنظر إلى الطفل ، أتفحصه ولد رجل آخر ، زوج أخت آخر ، أركع ،أشتم الرائحة الشنيعة رغماً عني ، لم يعد ذلك الزمن بعيداً ، كانوا يئدون البنات ، ليتهم وأدوني ، ما كنت أريد أن أكون أُماً بطريق الخطأ .. فلماذا أخطأتني دروب زوج أختي ؟؟ ، ابن من هذا ، ولماذا يعيش ؟؟الفضيحة والجريمة :
أأحمله وأخرج به ؟ هل سيتكلم ؟ وهل ستغفر لي العيون التي ستحيطني بالدهشة ، وتنعتني بالرذيلة ؟ ، أمد أصابعي المرتجفة ، أبحث عن دائرة العنق الطري أحيطها ، بالأصابع واضغط واضغط ، ولا شيء في ذهني إلا الخلاص من ابن ليس ابني ، صمت النبض.. وسال لعاب ثغره ، الذي لم يلثم ثغراً بعد ، سكتت الحياة التي لم تبدأ بعد ..وسكت بعض خوفي .، أذكر أنني أخذت أطرق الباب بشدة ، وأضرخ ..، وأصرخ..، وآخر شيء رأيته كان وجه الناظرة ، وقد شوهته المفاجأة



Telegram