قصة  سيدة من ورق

قصة سيدة من ورق

قصص اجتماعية

لعل أكثر ما يثير فينا من الغرائز تلك الحسناوات الفاتنات بشتى ألوانهن ، فالعواطف والغرائز تشعل في القلب وتنبت الآمال والأماني وتنصهر في العقل وتخلق الأخيلة والأحلام ، وتكتسي بحلي نادر من صنع الأوهام ..بداية القصة :
أشواق ، تلك الحسناء الشقراء الممتلئة بادية الأنوثة ، وتبدو في عينيها العسليتين نظرة براءة وسذاجة ، ذات قامة هيفاء فاتنة القسمات ، وكان تكشفها عن ذراعيها ، ونصفي ساقيها وأعلى صدرها ، يوقع الناظر بالارتباك والاستحياء ..حتى قبل أن يلمسها


أشواق:
كانت تدعي العفة والغنى ولكن في حقيقة الأمر ، كانت فراشا للجزار وسائق التاكسي والدكتور ولم تبخل على أيٍ من الطبقات سواء غني أو فقير ، المهم هو المال


أشواق محمود :
محمود كان أحد ضباط الجيش آنذاك ، كان صنفه البحرية في احدى مناطق البصرة آنذاك ، وهو من سكنه بغداد ، راقبها عدة مرات وغرق في شهوة أنوثتها إلى حد الغثيان ، الأمر الذي أخرجه عن الاحتشام التقليدي في عشق النساء ، وأصر في أحد الأيام أن يكلمها ، ومهما كلفه الأمر ، بل حتى لم يمانع بالزواج منها ، حاول أن يكلمها فوجد أن الفرصة المناسبة هو اليوم التالي ..موعد غرامي جديد :
أخذت أشواق زينتها وسارت على غير هدي ، كيفما ساقتها قدماها ، وغيرها من البشر ، لا يسير على غير هدي عادة ، إلا إذا كان ركن إلى اللهو والعبث والراحة أو الفراغ ، هي بخلاف هؤلاء وأولئك ، اذا توثبت فريسة فهي اليوم على موعد غرامي ، مع دكتور الأمراض النسائية ، والذي ساقته إلى موعد لكي تكسب لقمة عيشها كما تفعل كل يوم




صدفة لقاء أشواق :
وهي تمشي بشارع الاستقلال قطع عليها صفوتها صوت النقيب محمود وهو يرتدي زيه العسكري يقول لها : ما أروع أن أرى زهرة تمشي .. نادر جداً هذا الحدث ، فابتسمت ابتسامة حلوة ، وطلبت منه أن يفسح الطريق لها لتكمل المسير ، فعلم أنها ترغب بالحديث معه ، فلم ير بُدّا من المواصلة وأن يرافقها الطريق


وجدها تنظر إليه بإمعان فاعتقد أنها أغرمت به ، فوجد حديثه إلى الغزل ليخرج قولا عذباً ، ثم وقع نظره على قميصها وقد انفرج عن أعلى صدرها ، فزاغ بصره وارتد في اضطراب وذعر


تجاهل وتجاذب:
ولم يدم صوت أشواق طويلاً حتى سألته : من أنت ؟ وما هي قضيتك ؟ أجابها : أنا النقيب محمود ضابط البحرية في ميناء البصرة ، قد أسرني حسنك ، وجننت فيك فعلاً ، شيعته بنظرة غريبة وقالت مستفهمة : أتعرفني ؟ أجابها : لا وأنا كلي شرف أن أتعرف عليك ، فهزت رأسها سلباً متصنعة الجفاء وقالت : أنت تحلم ، أنا نبت ناس ، وأبي سيقتلني لو شاهدنا معًا ..ثم بدا مشغول دائم التفكير ، حتى قاطعت أشواق سلسلة أفكاره قائلة : ما بالك ؟ أخفت ! أجابها : كلا ولكن أريد أن أرك غداً ، لأنني أرى الآن انشغالك بأمر ما ، قالت : حسناً غداً وقت الظهيرة نلتقي عند شط العرب ونجلس معاً ، ولا ضير من ارتشاف شيء بارد معاً ، والتعرف على شخصية جميلة مثلك ..لم تكد ساقاه تحملاه فاتسعت عيناه من الفرحة وابتسم ..، فهذه أول مرة يظفر بامرأة جميلة خليعة مبتذلة في ثوبها وقال : سأكون هناك يا آنسة…؟ وانتظر لتقول له اسمها ، أشواق ، قال : يا رب أنا سعيد ، غداً سيكون لنا جولة ، على ضفاف شط العرب إذن ، ثم افترقا على أمل اللقاء غدًا..بيت أشواق وأهلها :
جلست أشواق في المساء تحادث والدها ، ضعيف البنية إحدى ساقيه مبتورة ، يتكأ على عكازتين ، مهلهل الجلابية يحمل على وجهه سمة النصابين والمنافقين ، وكذلك زوجته لا تقل في وصف طبيعتها عن زوجها في النفاق ، وكانت تجالس ابنتها وزوجها مجتمعين في غرفة قديمة ، تملأها الرطوبة والتي هتكت بجدار الدار العتيق بكل وضوح


رفض الأهل لخسة أشواق :
قالت أشواق : سوف أسلب ماله ، إنه غني وسيساعدني في اخراج قيس زوجي من السجن ، وأنتهي من تهديداته المُرة ، فاجأ كلام أشواق والديها ، وكان شيئاً موجعا لهما ، فكيف تتعرف على ضابط له مكانته ، يعيش في بحبوحة من الغنى والجاه ، سيداً في الوظيفة ، تتيه على جميع الوظائف ، و تفكر في اخراج قيس ، ثم تصرف عليه تلك الدنانير ..من غير المعقول أن تستسلم أشواق لحياة الشرف ، ولعلها الآن باتت تغرد في قلبها اطار في قلبها أطيار الحب وتحلق في وجودها الجميل أحلامه العذبة ، سألها أبوها بغضب : أمازلت تفكرين بزوجك ؟..، قالت : نعم انه يهددني كل يوم وعليّ أن أخلصه من سجنه ، ولو استطعت تهريبه الآن سأنجو منه وسيغادر البلاد


لم يرق حديث أشواق إلى أمها ، ثم رفعت الأخيرة عكازه والدها مهددة : اسمعي نحن لن نستطيع أن نتركك تفعلين ما يحلو لك ، يكفي أننا نتضور جوعاً في المساء ، انسي قيس إلى الأبد ، وعليك أن تبدئين حياة جديدة ، ولو استطعت اغواء هذا الضابط ، فسيكون بإمكانك أن تبدئين حياة جديدة معه ، وسنكون نحن بمأمن


عناد أشواق :
ثم تجهم وجه أشواق بصمت وقالت : سأخرجه من سجنه ، وأجبر هذا الضابط الغبي على أن يساعدني ، فإغراءات جسدي كفيلة بذلك ، أنا تعبت ولا أكاد ألوي على شيء بعد الآن ، أحست أشواق بثقل تبعتها وهيمن على صدرها هم عظيم ، وتساءلت : أريد يوماً أن أعيش حياة شريفة ، لا يمسني إلا من يستحقني


وما لبست  أن أكملت أشواق جملتها حتى انفجر الأب المستهتر بالضحك هزوا بابنته : شريفة ؟! يا أستاذة شريفة ، ومن يستحق أن يتزوج بعاهرة غير القواد ؟ وانصرف بالضحك غير مبال بنظرة الأم والبنت الغاضبة .. فقامت أشواق وركلت ساق أبيها ، ودخلت غرفتها مسرعة


أشواق والضابط :
وفي اليوم التالي ، كانت أشواق تساير الضابط ، وأما تقاسيم وجهها فلا تدل على أنها استسلمت إلى القنوط بعد ، ثم عرجا إلى القهوة خانة ليجلسا بهدوء ويرتشفا شيئًا معًا ، سألته : ما الذي دفعك للتعرف عليّ ؟ أجاب : أشواق أنا بطل في العشق ، وشخصية لا يشق لها غبار ، وان عيني لتنفذان من بين العيون جميعاً لتجذب قلبك إليّ !..تساءلت أشواق في نفسها : ما هذا الذي يقوله ذلك الأحمق !.. ثم قالت بابتسامة ماكرة : أكاد أحس بسخونة أعصابك ولذعة قلبك ، اشتد احمرار وجه محمود وبدأ الدم يجري في عروقه ، بلع ريقه ، ثم ارتشف كأس ماء بارد كانت أمامه ، ثم جمع أنفاسه لينطق بكلمته : أكاد أموت من عشق جمالك ، هل أستطيع أن ألمسك ؟تنحت أشواق عنه متصنعة الشرف ثم قالت : رويدك الحلال ، ليس هناك أحسن منه .. أجابها : طبعا ، طبعا .. الحلال ، أشواق ،مهم جداً في هذه الأمور ، قال مستدركا وهو يمسح عرق وجهه مضطرباً ، يعلم محمود أنه أمسى يكون من المسترحمين السائلين ، وهو يندفع برغبة جنونية نحو جحيم العذاب ، كأنما يستطيب النار الموقدة ، فهو في هذه العلاقة الفريدة إما نعيم الطمأنينة ، وإما أهوال العذاب ..لقاء آخر :
جلسا لساعات ثم ضربت له موعداً همساً وافترقا .. مضت الآن على هذه العلاقة ثلاثة شهور ، وهو مازال يتضرع اليها بأن ينال منها ما ينال ، وهي ترفض بمكر ودهاء ، كأن أحداً لم يلمسها ، وكأنها مريم العذراء ، التي يندر وجودها في هذا الزمان


ولكنها تكاد تأخذ مبتغاها منه إلى مرفأ لا يريم عنه ، وتعرف أنه وقت الكلام المغري سيغدو مكدود الذهن مشوش العقل ويكون أسير الهوى ، وما قد تطلبه منه سيكون شاقاً غير مأمون العثار


وفي احدى الخلوات في الحديقة ، وبالتحديد في مكان لا تصله عيون غير عين الرحمن ، حاول أن يمد يده ليتحسس نهديها ، وهذه المرة لم تمنعه ولم تأخذه الشكوك بدوره على عدم ممانعتها ، ظناً منه انها وقعت في غرامه ، وبدأ يبعثر كلمات العشق بلا هوادة ، على ما تجنيه يداه من لمس بجرأة ، وكل هذا وأشواق تهمس له : أتعجبك طراوة صدري ؟ أجاب : أنا من أين أنا..قالها وهو مضطرب الأعصاب وكأنه في حلم أفاق منه ، بدأ يهذي ثم سحبت أشواق نفسها ، بعد أن أوقعته في شر هواه .. يكفي حرام ..قالت وهي تلملم نفسها وتغلق أزار قميصها ، قال لها : أشواق مستعد أن أنفذ ما تشائين ، وسأتزوجك وهذا أكيد ..قالت بمكر : لا أعتقد ، أجابها : اسألي ما تشائين وستجدينني مطيعا لك ..الورطة :
ساد صمت طويل ، ثم استقرت عينا أشواق بعينيه ، وللأعين لغة معجمها الغرائز ، والأحاسيس ، ثم قطعت جو المغازلة الصامتة : لي أخ يدعى قيس ، وقد حبسوه جوراً وافتراءً ، لو تريد بالفعل أن تساعدني فإن مأمور السجن يطلب ما لا نستطيع ايفاءه


تساءل الضابط :  مبلغ كبير ؟ أجابته : نعم ، ثم أخبرته بقيمة المبلغ ، رأت أشواق حرارة الاضطراب وتفلح وجهه وتساءلت : ما بالك ؟ قال : لا أنكر بأنه قد راعني جمالك ولكن المبلغ كبير ، وما تطلبينه سيضر بمستقبلي كثيراً ، مساعدة مجرم على الهروب !!


أحست أشواق بالغباء لإفشائها بمثل هذا السر لضابط ، ثم حاولت أن تصلح الموقف : إذن كنت أحسبك ستساعدني ؟ قال : نعم ولكن ليس بهذه الطريقة … نهضت أشواق وقالت بحده : لو قبلت وأحسست بنفسك رجلاً ، قابلني وأنت تعرف رقم الهاتف الذي ستكلمني عليه


التأثر :
فوجم صامتاً وغلبه التأثر الشديد ، وراق وجهها الجميل محتقناً كقطعة من الجمر ، ولمح دمعة حبيسة في عينيها ، ثم استدركها قائلاً : سأفعل بشرط ! أن تأخذين المال وتنجزين الأمر بنفسك ..لم يتحرك لسان أشواق من فمها ، غير أنها اكتفت بابتسامة تخفي وراءها المكر


تنفيذ الخطة:
اتفق عدد من النساء مع عدد من رجال الشرطة في المساعدة لتهريب أشخاص معينين من السجن ، ومن خلال أدوات حفر صغيرة ،لتساعدهم على حفر منفذ في الحائط المؤدية وجهته الى السوق الشعبي مباشرة


نهاية أشواق :
هرب فيس وعدد آخر من المساجين ، أما الباقون فقد تم منعهم من الهروب ، وتم التكتم على الأمر وتحوير القضية ، تماما عن مجراها الحقيقي ، ألقي القبض على قيس وأغلب من هربوا بعد أشهر من الملاحقة ، أما قيس فقد ألقوا القبض عليه بعد أن قام بخنق أشواق ، بسبب عدم رضاه عن المبلغ المالي الذي قدمته أشواق له ، لمغادرة البلاد ، أمّا السيد الضابط فما زال يلاحق نساء شارع الاستقلال ، تحت أشعة الشمس اللاهية صيفاً ، أما في برد البصرة القارص ، فهو وكما هو لا يثني المناخ عزيمته



Telegram