انستازيا اميرة روسيا

انستازيا اميرة روسيا

قصص تاريخية

ربما لا توجد شخصية تاريخية دخل الغموض إلى قصتها وحيكت حولها الأساطير مثل الأميرة الروسية انستازيا أصغر بنات أخر قياصرة روسيا نيكولاس الثاني، لكن قصتها للأسف لم تنتهي نهاية سعيدة أبدًا، فقد قتلت الوريثة الشابة مع جميع أفراد أسرتها رميًا بالرصاص في عام 1918م، وقد اعتقد كثير من الناس أنها هربت لأن وقت الاغتيال لم تعلن الحكومة الروسية أبدًا عن ذلك، وحتى جثة الفتاة لم توجد مع باقي أطفال القيصر الخمسة


ومما زاد قصة أنستازيا غموضًا هو ظهور بعض الفتيات اللاتي أدعين أنهن أنستازيا الحقيقية، حتى أن السينما العالمية جذبتها الفكرة، وتم عمل فيلم مبني على قصة هروب أنستازيا الخيالية، لكن في عام 2009م أثبت تحليل الحمض النووي أن جثة أنستازيا موجودة مع بقية أفراد أسرتها


في عام 1913 احتفل آل رومانوف بمرور 300 عام على جلوسهم على عرش روسيا، وحكمت الأسرة ما مجموعه 304 سنة ، حتى تنازل نيكولاس الثاني عن العرش في 15 مارس 1917 بعد ثورة فبراير ونفي إلى سيبيريا مع عائلته


كان للقيصر أربعة بنات وولد هم أولغا وتاتيانا وماري وأنستازيا، وأصغرهم كان الصبي أليكسي الذي كان يصغر أنستازيا بثلاثة سنوات، وقد ولدت الأميرة في 18 يونيو عام 1901م


لم تكن ولادة أنستازيا حدث سعيد في البلاط الروسي الذي كان ينتظر خليفة ولد ليرث العرش بعد أبيه، لكن خابت أمالهم عندما ولدت البنت الرابعة، ولم يكن اسم أنستازيا من الأسماء الإمبراطورية الروسية التقليدية، لكن القيصر وزوجته ألكسندرا اختارا هذا الاسم لابنتهم وهو مشتق من كلمة يونانية تعني القيامة، نظرًا لاعتقادهما أن الله سوف يستجيب لدعواتهما ويعيد إحياء النظام الملكي الروسي بولادة ولد

لهما


وبالفعل فإن الله تعالى رزقهما بالصبي أليكسي في 1904م لكنه كان مصاب بمرض النزف الهيموفيليا، وفي بداية القرن العشرين كانت تلك الإصابة تعني أن الولد ربما لن يعيش حتى يبلغ سن الرشد، فأصبح القيصر وزوجته منشغلين تمامًا بمرض الوريث الوحيد ومحاولة إخفاء حالته عن الجميع، ولذلك بقي جميع أفراد عائلة رومانوف شبه منعزلين عن العالم


كانت أنستازيا تتميز بأنها أقصر من أخواتها وكان شعرها أشقر وعيناها زرقاوتين مع نشاطها الملحوظ وحس الدعابة لديها، كما أنها كانت لا تحرص على الالتزام بأي تقاليد الإمبراطورية وكانت تكره الدراسة وتحب اللعب وتسلق الأشجار وأكل الشيكولاتة وهي ترتدي قفازات، وعمل الحيل في أبناء عمومتها، وكانت مقلدة رائعة وتهوى التمثيل في المسرحيات العائلية


بعد الثورة وإجبار القيصر على التنازل عن العرش سادت الفوضى في جميع أنحاء البلاد وكان القيصر حينها خارج البلاد، ولم يتمكن من العودة لزوجته وأطفاله في البداية، ثم بعد ذلك تم حبسهم في قصر تزاركوسيلو، وفي أغسطس 1917 م تم نقلهم إلى سيبيريا وحبسهم في منزل صغير في سيبيريا وسط البرد القارص


بعد سجن الأسرة ، بذلت أناستازيا قصارى جهدها للحفاظ على معنويات الجميع ، على الرغم من أن حرمانها من النشاط في الهواء الطلق كان صعبًا عليها بشكل خاص، فكانت تخيط وتقرأ وتلون


في 17 يوليو 1918 ، وفي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، تم إيقاظ العائلة وسارت أنستازيا رومانوف ، وهي تحمل كلبها جيمي مع باقي أفراد العائلة عبر الدرج إلى القبو الرهيب في يكاترينبرج ، حيث طُلب منهم الانتظار، وكانت الأخبار تأتي أن الجيش الأبيض يقترب من موقعه في محاولة يائسة لتحرير القيصر، ولذلك وحتى يتم إنهاء الحقبة القيصرية تمامًا صدرت الأوامر من المجلس السوفيتي الأعلى لروسيا بقيادة فلاديمير لينين بقتلهم جميعًا


تم إخبار العائلة أنهم سيذهبون لأحد المنازل المجاورة ليتم تصويرهم وعرض صورهم للأمة حتى يتأكدوا أنهم على قيد الحياة، وفجأة اقتحم الجلادين المكان وكان عددهم حوالي 12 رجلًا، تم إطلاق النار على الأسرة والخدم المصطفين على الحائط البعيد ،  وكانت أناستازيا ، التي كانت قد بلغت لتوها 17 عامًا ، من بين آخر من ماتوا ، وفقًا لشهادة لاحقة من فرقة الإعدام البلشفية، وحتى حيوانها الأليف تم قتله بطريقة بشعة، حيث حطموا رأس الكلب بعقب البندقية وألقوا به في الشاحنة مع الموتى، وتم تشويه جثث الأسرة ودفنها في الغابة


تم دفن جثث لقيصر وزوجته وأطفاله لخمسة في قبرين لم يحملا أي شواهد، ولم يبلغ الشعب الروسي سوى بخبر وفاة القيصر وحده، لذلك سرت الشائعات أن باقي أفراد الأسرة قد تمكنوا من الهرب من روسيا، حتى أن جدة أنستازيا الإمبراطورة ماري والتي هربت من روسيا بعد الثورة لتقيم مع أختها الملكة ألكسندرا بلندن، كتبت في مذكراتها أنها متأكدة أنهم جميعًا خرجوا سالمين من روسيا وأن البلاشفة يحاولون إخفاء ذلك


كانت قبورهم غير المميزة سرًا يخضع لحراسة مشددة ، حتى عام 1979م، فقد خاف لينين من الدخول في مشاكل خارجية مع باقي أعضاء أسرة رومانوف الذي حكموا معظم دول أوروبا في ذلك الوقت


وفي عام 1920م حيث كان كثير من الروس وأفراد العائلة الحاكمة الروسية والنبلاء الذين فروا من الثورة يعيشون في برلين بألمانيا، تم إنقاذ فتاة شابة من حاولة انتحار، ورفضت الفتاة الإفصاح عن أي معلومات عن شخصيتها، فتم نقلها إلى ملجأ لرعاية المرضى النفسيين، وهناك أخبرها أحد المرضى أنها تشبه الدوقة تاتيانا، ثاني أكبر أبناء القيصر


لكن كان من الواضح أن السيدة الشابة أقصر كثيرًا من الدوقة تاتيانا، لذلك أشيع بين المرضى أن تلك الفتاة ربما تكون هي أنستازيا لأنها كانت قصيرة، وعلى الرغم من أن هذا الادعاء ربما يكون مضحكًا، حيث كان من الصعب جدًا على أي فرد من أفراد عائلة رومانوف أن يفر من بين حراسة البلاشفة المشددة، إلا أن الشائعات بدأت تنتشر بقوة بين أفراد عائلة رومانوف الأحياء


فالبعض أدعى أن أحد الحراس الذين تولوا نقل الجثث، وجد أن أنستازيا لم تكن ميتة أثناء حملها خارج القبو وأنها كانت محمية بفضل ارتدائها لبعضن المجوهرات الملكية والتي منعت الرصاص من اختراق جسدها، فأبعدها وأصبحت عشيقته وأنه مات بعد ذلك في مشاجرة بالشارع، وعلى أثر هذا الادعاء توجه بعض أفراد عائلة رومانوف للمستشفى الذي تقيم فيه شبيهة أنستازيا، ولاحظ بعضهم الشبه بينها وبين أنستازيا حيث أن عيناها كانتا زرقاوتين أما الأخر فأنكر أنها هي لأن فم أنستازيا كان أصغر من فم الفتاة، أما  الجدة ماريا رفضت رؤية تلك الفتاة ويقال أنها قد وردتها تقارير سرية يفيد بوفاة جميع أفراد العائلة على يد البلاشفة


أما شقيقة الدوق فذهبت لرؤية الفتاة وخلصت في النهاية إلا أنها شخص غريب، أما شقيق الإمبراطورة ألكسندر زوجة وخال أنستازيا، فقد كلف محقق بالبحث عن أصل تلك الفتاة المجهولة، واكتشف في النهاية أنها عاملة بولندية تسمى فرازيسكا شانزكوسكا، وتعاني من اضطراب عقلي


وفي عام 1991 عثر على قبر به رفات عائلة رومانوف والخدم الأربعة الذين أعدموا معهم، وحدد الطب الشرعي أن الرفات تخص العائلة ماعدا أنستازيا وأخيها أليكسي، لكن بعد فترة عثر بالصدفة على مقبرة أخرى بها بعض الرفات، وبقايا قميص مخطط باللونين الأبيض والأزرق، وهو نفس قميص أليكسي، وفي عام 2009م تم الجزم بأن هذا القبر يخص الأميرة انستازيا وأخيها أليكسي



Telegram