قصة  عندما ضجت الكنيسة بالبكاء

قصة عندما ضجت الكنيسة بالبكاء

قصص بنات

‏كتب هذه الوقائع الدكتور وليد فتيحي وقد أعقبت حادثة التفجيرات التي حدثت في الولايات المتحدة فلنعش معاً هذه اللحظات الخاشعة في رحابة النور الإسلامي الذي يدعو إلى التسامح والسلام بين الأديان السماوية ..
عندما سأل الأمريكان : ما هو الإسلام ؟
أكتب هذه الكلمات فجر السبت الموافق الثاني والعشرين من سبتمبر لعام 2001.م أي بعد أحد عشر يوماً من جريمة الهجوم
على واشنطن ونيويورك في الحادي عشر من سبتمبر, وهي أحد عشر يوماً مشهودة عاشها المسلمون في أمريكا والعالم أجمع..
وقد أحببت في مقالي هذا أن تشاركوني مشاعري الخاصة التي صاحبت هذه الأيام الاحد عشر .. يوماً بيوم.
استيقظت صباح الثلاثاء الحادي عشر من سبتمبر على رؤيا رأيتها قبل صلاة الفجر, فقد رأيت جبالا جرداء تهتز من حولي كأنها زلزال عظيم, وأنا أتلو في منامي قول الله تعالى (وما قدروا الله حق قدره), وذهبت الى عيادتي وسمعت من أول مريض لي عن الطائرة الأولى التي ارتطمت بمركز التجارة العالمي, وسمعت بالطائرة الثانية

من مريضي الثاني.
وبدأ الإعلام منذ اليوم الأول يلمح بأن هناك أيادي مسلمة وعربية خلف ماحدث , وفي تمام الساعة الثانية عشرة اجتمع أمناء المركز الإسلامي في بوسطن وإدارته ولجانه وإمامه اجتماعاً طارئاً وكنت معهم على الهاتف من عيادتي..
وقررنا القيام بحملة تبرع بالدم ، وكونّا لجنة للاتصال بالصليب الأحمر الأمريكي, والترتيب معهم, ودعونا الإعلام لتغطية الحدث, واتصلنا بسلطات المدينة والولاية فسارعوا بتسخير رجال الأمن لحماية المركز الإسلامي وممتلكاته وزائريه.
وكان يوماً عصيباً علينا جميعاً , وكنا نتلهف على أية معلومة تبعد التهمة النكراء عن الأيدي المسلمة

العربية.
وفي يوم الأربعاء الموافق الثاني عشر من سبتمبر انهالت علينا الصحف وقنوات التلفاز والمذياع تمطرنا بالأسئلة من كل مكان, ودعيت الى قناتين تلفزيونيتين وعدة صحف محلية ودولية مثل WALL STREET JOURNAL و BOSTON GLOBE, ونحن نحاول أن نثبت إنسانيتنا كبشر, وأننا براء مما حدث !!
نعم إخواني وأخواتي.. كنا نحاول أن نثبت إنسانيتنا وفي يوم واحد وجدنا أنفسنا نقف على ثغر مفتوح وينهال علينا الهجوم من كل مكان, وقلوبنا تدمي ولسان حالنا يقول ان الدعوة الى الله قد تراجعت خمسين عاما في امريكا والعالم اجمع.
وفي يوم الخميس الموافق الثالث عشر من سبتمبر اجتمع في الساحة المقابلة لمقر عمدة مدينة بوسطن CITY HALL عشرة آلاف شخص , وتحدث رؤساء الديانات بما فيهم المسلمون وشرح موقف الإسلام من هذه الجريمة وشاهد الملايين ذلك واستمعوا الى القرآن الكريم أيضا , وحدث مثل هذا في كل ولايات أمريكا..
وفي يوم الجمعة دُعينا مرة اخرى للمشاركة في عدة برامج تلفزيونية, وقد شاركت في أحد هذه البرامج كما شارك في صلاة الجمعة في المركز الاسلامي للجمعية الاسلامية في بوسطن (في خيمة مخصصة لذلك) رؤساء الكنائس المجاورة وعمدة مدينة كامبردج وساروا مع المسلمين تضامنا معهم حتى مقر عمدة مدينة كامبردج, وشرح الإسلام للحاضرين تحت تغطية إعلامية وتناقلته وسائل الاعلام..
وفي يوم السبت الموافق الخامس عشر من سبتمبر اصطحبت زوجتي واولادي احمد ومريم ويوسف الى أكبر كنيسة في بوسطن COPLEY SQUARE تلبية لدعوة رسمية للجمعية الاسلامية في بوسطن لتمثيل الاسلام في دعوة خاصة لأعيان مدينة بوسطن , وقد حضر عمدة المدينة وزوجته ورؤساء جامعات , وقد زاد عدد الحاضرين على الألف تحت تغطية اعلامية من إحدى القنوات التلفزيونية الرئيسية في بوسطن.
واستقبلنا استقبال السفراء وجلست وزوجتي وأولادي في اول صف بجوار زوجة عمدة مدينة بوسطن, وتحدث كبير القساوسة في خطبته فدافع عن الاسلام كدين سماوي , وأعلم الحاضرين بوجودي ممثلا للجمعية الاسلامية في بوسطن.. وبعد الانتهاء من المحاضرة وقف بجواري كبير القساوسة وقرأت البيان الرسمي الذي صدر من كبار علماء المسلمين والذي يدين العمل الشائن ويشرح موقف الاسلام و يبين مبادئه وتعالميه السامية , ثم قرأت ترجمة آيات من القرآن الكريم باللغة الانجليزية اولاً ثم مرتلاً ترتيلاً ..وارتفع قول الله تعالى : {أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا, ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا
وقوله تعالى : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير).
وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} .
وكانت لحظات لن أنساها تلك التي انقلبت فيها الكنيسة الى بكاء عند سماع آيات من كلام الله تعالى تتلى على الحاضرين .. وانهالت المشاعر الفياضة علنيا فيقول احدهم لي (إنني لا أفهم اللغة العربية ولكن مانطقت به هو من كلام الله بلا شك)..
وأخرى تضع في يدي ورقة وهي تغادر الكنيسة باكية وتكتب فيها (اغفروا لنا ماضينا وحاضرنا وادعوا لنا) وآخر يقف على باب الكنيسة وينظر إليّ بعينين دامعتين ويقول (أنتم مثلنا .. بل أنتم خيرٌ منا)
وطلب كثيرون مني عنوان الجمعية الإسلامية في بوسطن لزيارته والاستماع للمحاضرات الاسبوعية وسماع القرآن يتلى اثناء الصلاة..
وفي لحظات قليلة أحسست بحكمة الله تعمل بطريقتها التي لا يدركها ولن تدركها عقولنا المتواضعة, وقامت أكبر القنوات التلفزيونية بتغطية الحدث وإجراء مقابلة معي بعدها..
وفي يوم الاحد الموافق السادس عشر من سبتمبر قامت الجمعية الاسلامية في بوسطن بتوجيه دعوة مفتوحة في مقر المركز الحالي في كامبردج والموجود بين جامعتي هارفارد وMIT ولم نتوقع أكثرمن مائة شخص, وكانت مفاجأة لنا ان يحضر أكثر من ألف شخص من الجيران ومن أساتذة جامعات ورجال دين ، بل وحضر كبار القساوسة من الكنائس المجاورة التي دعينا اليها لإلقاء كلمات عن الإسلام وتحدث الجميع تضامناً مع المسلمين.
وانهالت علينا أسئلة كثيرة تريد أن تعرف عن الاسلام وتفهم تعاليمه, ولم يكن بين الأسئلة سؤال واحد تهجمي بل العكس من ذلك, فقد رأينا الأعين تدمع وهي تسمع عن الإسلام ومبادئه السامية, ومنهم الكثير ممن لم يسمعوا من قبل عن الإسلام..
نعم.. لم يسمعوا عن الإسلام إلا من وسائل الاعلام المغرضة!!
ودعيت مرة أخرى في نفس اليوم لأشارك في اللقاء الذي عقد في الكنيسة التي شاركت فيها في اليوم السابق .. وتكرر الحدث وتكرر المشهد وتكررت المشاعر وتكررت رغبة الكثير في زيارة المركز الإسلامي لمعرفة المزيد عن الإسلام وسماع كلمات الله تتلى..
وتكررت الدعوات التلفزيونية والتغطية الإعلامية والمشاركة يومي الاثنين والثلاثاء فاستضافتنا اكثر من خمس قنوات تلفزيونية.. وفي يوم الاربعاء دعينا من قبل عمدة المدينة المجاورة لشرح موقف الإسلام امام آلاف من سكان المدينة ، وتلي القرآن على الآلاف وغطى الإعلام كل ذلك..
وفي يوم الخميس زار مركز الجمعية الإسلامية في بوسطن بعثة من ثلاثمائة طالب وطالبة واساتذة جامعة هارفارد برفقة سفيرة الولايات المتحدة في فيينا, وجلسوا جميعا على أرض ساحة المسجد, وامتلأ المكان وشرحنا تعاليم الإسلام الغراء ودفعنا الشبهات التي تثار حوله, وقرأت آيات الله عليهم مرة اخرى ودمعت العيون وتأثر الحاضرون , وطلب كثير منهم الحضور للمشاركة والاستماع للدروس الاسبوعية التي يعقدها المركز الإسلامي لغير المسلمين..
ودعيت في مساء اليوم نفسه للمشاركة في برنامج على مستوى أمريكا كلها مع البروفسور ALAN DERSHOWITZ من جامعة هارفارد لمناقشة الحقوق المدنية والإنسانية في القوانين الأمريكية والدولية, وشارك في البرنامج اخوة واخوات لنا من المسلمين حول أمريكا.
وفي يوم الجمعة الموافق الحادي والعشرين من سبتمبر شارك المسلمون في اجتماع مغلق مع حاكمة ولاية ماستشوستس وتمت مناقشة إدخال مادة لتعليم الاسلام في المدارس كمنهج دراسي لتوعية الشعب ومحاربة العنصرية ضد المسلمين والناجمة عن جهل الشعب الامريكي بالدين الاسلامي, وتمت الموافقة والتأييد من حاكمة الولاية وبدأت الخطوات لدراسة كيفية تحقيق هذا الهدف.
أما صلاة الجمعة في مركز الجمعية الإسلامية في بوسطن فقد تمت تغطيتها بالكامل من قبل قناة CNN وكذلك الحال بالنسبة للدرس الأسبوعي ليلاً..
وما ذكرت لكم إلا أمثلة لما حدث ويحدث في مدينة بوسطن هذه الأيام, ويحدث مثل ذلك في كثير من المدن الأمريكية الاخرى.
إن الدعوة الى الله لم تتقهقر وتتراجع خمسين عاماً كما كنا نحسب في الأيام الاولى من جريمة الحادي عشر من سبتمبر, وإنما شهدنا أحد عشر يوماً هي بمثابة أحد عشر عاما في تاريخ الدعوة إلى الله..
وها أنا أكتب إليكم اليوم هذه الكلمات وكلي ثقة ان الإسلام سينتشر إن شاء الله في أمريكا والعالم أجمع خلال الاعوام القادمة أسرع مما كان ينتشر سابقا حيث أن العالم أجمع صار يسأل ( ماهو الإسلام؟ ) ومن يرى بأم عينيه ليس كمن يقرأ ويسمع... والحمد لله رب العالمين ..

Telegram