رواية 1984 لجورج أورويل : القسم الثاني والاربعين


لست أدري، قد تكون أیاماً أو أسابیع أو شهوراً، لكني أعتقد أنني - أمضیت شهوراً
ولماذا نأتي بالناس إلى هذا المكان حسب تصورك؟
- كي تجعلوهم یعترفون.
- كلا، لیس هذا هو السبب، حاول مرة ثانیة.
- كي تعاقبوهم.
فصرخ فیه أوبراین: «كلا!» وتغیرت نبرة صوته تماماً وارتسمت على وجهه علامات التجهم والشدة ثم قال:
- كلا، إننا لا نأتي بأحد إلى هنا كي ننتزع منه اعترافاً أو ننزل به عقاباً. هل تود أن تعرف لماذا أتینا بك إلى هنا؟ لمداواة علتك!

لنجعلك سلیم العقل! هلا فهمت یا ونستون، فما من أحد نأتي به إلى هنا ویخرج قبل أن یبرأ من علته؟ إننا لا نكترث للجرائم الحمقاء التي اقترفتها، فالحزب لا یهمه ما تأتیه من أفعال مكشوفة، إنّ ما یهمه أكثر ما یدور في رأسك من أفكار، نحن لا نحطم أعداءنا فحسب، وإنما نغیر ما بأنفسهم. هل تفهم ماذا أقصد بذلك؟
كان أوبراین منكفئاً فوق ونستون وقد بدا وجهه ضخماً لشدة قربه منه، وبشعاً قبیحاً لأن ونستون یتطلع إلیه من أسفل، كما أنه كان یبدو مفعماً بالنشاط والتوتر الطائش. ومرة أخرى خفق قلب ونستون، ولو أن الأمر بیده لكان قد غاص في السریر أكثر، فقد تأكد له أن أوبراین یوشك أن یدیر القرص مدفوعاً بوحشیة مفرطة، إلا أن أوبراین استدار مبتعداً في هذه اللحظة وأخذ یذرع الغرفة جیئة وذهاباً مرة أو مرتین. ثم تابع حدیثه وقد فتر حماسه:
- إن أول ما یتوجب علیك فهمه هو أننا لا نسمح لأحد بأن یخرج من هذا المكان شهیداً، لا بد أنك قرأت عن الاضطهاد الدیني في الماضي والذي مورس في العصور الوسطى تحت ما یسمى بمحاكم التفتیش التي فشلت فشلاً ذریعاً، لقد أنشئت تلك المحاكم لاستئصال شأفة الهرطقة، لكنها على العكس كرست وجودها.

ففي مقابل كل هرطوقي یُ ّحرق بعد شده على الخازوق كان یظهر الآلاف غیره. فما السبب یا ترى؟ السبب هو أن محاكم التفتیش كانت تقتل أعداءها جهاراً نهاراً وتجهز علیهم قبل أن یتوبوا، وفي

الواقع لقد كانوا یُحرقون لأنهم لم یظهروا ندامتهم أو یعلنوا توبتهم، ومن ثم كان الناس یُحرقون لأنهم یرفضون التخلي عن معتقداتهم الصحیحة، وبالطبع كان المجد كله یؤول إلى الضحیة، بینما یبقى كل الخزي من نصیب المحقق.

وفیما بعد في القرن العشرین، ظهر ما یسمى بالحكم الاستبدادي، فكان هناك النازیون الألمان

والشیوعیون الروس الذین كان سجلهم في اضطهاد مناوئیهم حافلاً بقسوة تفوق ما اقترفته محاكم التفتیش. ومع ذلك كانوا یظنون أنهم تعلموا من أخطاء الماضي، فقد كانوا على أي حال یدركون أنه ینبغي علیهم ألا یجعلوا من خصومهم شهداء. ولذلك كانوا لا یقدمون ضحایاهم للمحاكمات العلنیة إلا بعد أن یستوثقوا من تحطیم كرامتهم وإذلالهم، إذ كانوا ینهكون قواهم بالتعذیب ویعزلونهم عن العالم حتى یتحولوا إلى مسوخ ذلیلة وحقیرة ویعترفون بكل ما یوضع على ألسنتهم ویصمون أنفسهم بالخزي

والعار، ویتهم بعضهم بعضاً ویتضرعون طلباً للرحمة. ومع كل ذلك لم تكن تمر سوى بضع سنوات حتى یتكرر الشيء نفسه ثانیة، إذ یتحول الموتى إلى شهداء بینما یُنسى ما لحق بهم من ذل وهوان. والسؤال: لماذا حدث هذا؟ والجواب هو: أولاً، لأن الاعترافات التي یدلون بها كانت كاذبة وتنتزع منهم قسراً، أما نحن فلا نقترف مثل هذه الأخطاء. فكل الاعترافات التي تجري هنا صحیحة، إننا نجعلها كذلك، وفضلاً عن كل ذلك نحن لا نسمح للموتى أن یبعثوا من قبورهم لیناهضونا، ولذلك یجب علیك أن تكف عن التوهم بأن الأجیال القادمة ستبرئ ساحتك وتجعل منك شهیداً، إنهم لن یسمعوا عنك أبداً لأنك ستُزال تماماً من سجل التاریخ، سنحیلك إلى غاز ثم نطلقك في الهواء، سنجعلك نسیاً منسیاً ولن یبقى منك شيء، لا اسماً في سجل ولا أثراً في ذاكرة حیة، ستمحى كل علاقة لك بالماضي كما بالمستقبل وستصبح وكأنك لم تكن.

وتساءل ونستون في نفسه بمرارة: إذن علام كل هذا التعذیب؟
وتوقف أوبراین عن السیر في الغرفة، وكأنه یسمع تساؤل ونستون، فأصبح وجهه الدمیم أكثر قرباً وضاقت عیناه أكثر.
وقال له: لعلك تتساءل لماذا نتجشم مشقة استجوابك؟ ما دمنا ننوي القضاء علیك قضاء مبرماً وما دام لا شيء مما تقوله أو تفعله یمكن أن یغیر من الأمر شیئاً، إن هذا هو التساؤل الذي یدور بخاطرك، ألیس كذلك؟»
فأجاب ونستون: «نعم».
فابتسم أوبراین ابتسامة خفیفة وقال: «إنك العیب الذي شق النموذج العام، إنك الوصمة التي یجب محوها. ألم أقل لك قبل لحظات إننا نختلف عن طغاة الماضي؟ فنحن لا نقبل بالطاعة السلبیة أو حتى بالخضوع، وعندما تسلم لنا قیادك في النهایة یجب أن یكون ذلك نابعاً من إرادتك الحرة. إننا لا نحطم الضال الذي خرج علینا عندما یقاومنا، بل إننا لا نقدم أبداً على تدمیره طالما أنه یقاومنا وإنما نسعى لأن نغیره ونقبض على عقله الباطن فنصوغه في قالب جدید. إننا نبدد كل ما یضمره من شرور ونخرج كل ما یحمله من أوهام فنرده إلى صف الحزب لیس في مظهره فحسب، وإنما أیضاً في جوهره قلباً وقالباً. إننا نجعله واحداً منا قبل أن نقتله، ذلك أنه مما لا یحتمل بالنسبة إلینا هو أن توجد فكرة خاطئة في أي مكان من العالم معهما كانت خفیة ومعدومة القوة، وحتى في لحظة الموت لا نسمح بأي شكل من

أشكال الانحراف. ففي الأیام الغابرة كان الهراطقة یسیرون نحو الخوازیق المعدة لهم وهم یجهرون بهرطقاتهم ویتباهون بها، وضحایا حملات التطهیر الروسیة كانوا یحملون تمردهم داخل رؤوسهم حتى وهم یساقون عبر الممر في انتظار الرصاصة القاتلة.

لذلك فإننا نجري للدماغ غسیلاً شاملاً قبل أن نعصف به، لقد كان طغاة الماضي یأمرون على النحو التالي: یجب ألا تفعل ذلك، بینما كان الحكام المستبدون یقولون: یجب أن تفعل، أما نحن فأمرنا یأتي على النحو التالي: كن. ولم یسبق أن جئنا بأحد إلى هذا المكان ثم وقف ضدنا وناهضنا لأن كل شخص یخضع لغسیل دماغ، بل حتى هؤلاء الخونة الثلاثة التعساء، جونز وآرنسون وراذرفورد، الذین كنت تؤمن ذات یوم ببراءتهم قد انفرط عقدهم وخر عزمهم في النهایة، لقد أشرفت بنفسي على استجوابهم

ورأیتهم وهم ینهارون تدریجیاً وتذللون ویتضرعون وینتحبون،

وفي النهایة لم یكن كل هذا مبعثه الخوف أو الألم بل شعورهم بالندم والأسف على ما اقترفوا. وعندما انتهینا من تطهیرهم كانوا قد تحولوا إلى هیاكل بشریة لم یبق منها إلا الأسى على ما بدر عنها من جرائم في حق الحزب والحب للأخ الكبیر. لقد كان من المؤثر فعلاً أن ترى مبلغ ما أصبحوا علیه من حب للأخ الكبیر حتى أنهم تضرعوا إلینا كي نطلق علیهم الرصاص لیموتوا قبل أن تعلق بعقولهم التي تطهرت أي شيء من أدران الماضي».

كان صوت أوبراین قد أصبح هادئاً، ولو أن الاعتداد بالنفس الذي ظهر في شكل حماس جنوني، ظل یرتسم على وجهه.

فقال ونستون لنفسه: إن أوبراین لا یتظاهر، كما أنه لیس مرائیاً فهو یؤمن بكل كلمة ینطق بها، ولم یحزن ونستون على شيء قدر حزنه حینما أحس بدونیته الفكریة أمام عقل أوبراین المتوقد. وراح

ونستون یرقب أوبراین صاحب القوام المهیب وهو یغدو ویروح في الغرفة، فرأى أن أوبراین یفوقه في كل شيء، فلیست هنالك فكرة خطرت على بال ونستون أو حتى راودته إلا وكان أوبراین على علم مسبق بها وعرف كیف یفندها تفنیداً، لقد احتوى بعقله عقل ونستون. وما دام الأمر كذلك كیف یمكن أن یكون أوبراین مجنوناً؟ لا ریب في أنني أنا المجنون. وتوقف أوبراین عن السیر وتطلع إلى ونستون وقال له بصوت صارم:
- لا تتصور أنك ستنقذ نفسك یا ونستون مهما كان استسلامك لنا مطلقاً، فما من امرئ انحرف مرة عن جادة الصواب ثم أبقینا على حیاته، وحتى لو اخترنا أن نتركك تعیش إلى أن ینقضي أجلك فتموت میتة طبیعیة، فلن یمكنك أبداً أن تفلت من قبضتنا وما حدث لك هنا سیعیش معك إلى أبد الدهر. فعلیك أن تعي ذلك سلفاً. إننا سنسحقك إلى درجة لا یمكنك بعدها أن تعود بحیاتك إلى سیرتها الأولى، وستحدث لك أشیاء لن یمكنك أن تبرأ من آثارها حتى لو عشت ألف عام. وأبداً لن تقدر ثانیة على الشعور بما یشعر به الأحیاء. إن كل شيء سیموت داخلك ولن تعود قادراً على الحب أو الصداقة أو الاستمتاع بالحیاة أو الضحك أو حب الاستطلاع أو الشجاعة أو الاستقامة. ستكون أجوف لأننا سنعصرك حتى تصبح خواء من كل شيء ثم نملأك بذواتنا.
وتوقف أوبراین وأشار إلى الرجل ذي المعطف الأبیض، وأحس ونستون بأن جهازاً ثقیلاً قد دفع إلى مكان ما خلف رأسه. وجلس أوبراین بجانب السریر حتى یصبح وجهه محاذیاً لوجه ونستون.

وقال موجهاً أمره إلى الرجل ذي المعطف الأبیض:
- ثلاثة آلاف.
وفي الحال أحس ونستون بأن ضمادتین ناعمتین مبللتین تضغطان على صدغیه، فارتعد من الخوف حینما شعر أن ألماً یتدفق في جسده، إنه لولى جدید من الألم، لكن أوبراین ربت على كتفه مطمئناً إیاه:
- لا تخف فلن یؤذیك الأ عینیك مركزتین لم هذه المرة، ولكن أبق في عیني.
وفي تلك اللحظة أحس ونستون بانفجار مدو أو ما بدا أنه انفجار، ومع ذلك لم یكن واثقاً إن كان سمع صوتاً أم لا، لكن مما لا ریب فیه أنه كان مصحوباً بومیض ضوء تزیغ له الأبصار، لم یصبه ذلك بأذى وإن شعر أنه انبطح على وجهه رغم أنه كان في الأصل مستلقیاً على ظهره، وتملّكه شعور غریب بأنه قد قذف به إلى هذا الوضع إثر ضربة مخیفة سحقته سحقاً، وأحس بأن شیئاً ما قد حدث داخل رأسه، وعندما استعادت عیناه قدرتهما على التركیز

تذكر من هو وأین هو وعرف الوجه الذي كلان یحدق في عینیه. بید أنه أحس بأن فراغاً واسعاً قد حدث في رأسه وكأنما قطعة من دماغه قد انتزعت انتزاعاً
وقال أوبراین: «لن یطول بك هذا الحال، لكن انظر إلى عیني، أي دولة تحاربها أوقیانیا الآن؟»
وفكر ونستون ملیاً، فأدرك ما یعنیه بكلمة أوقیانیا، وعرف أنه احد مواطني أوقیانیا، كما تذكر إیستاسیا وأوراسیا، لكنه لم یدر من في حرب مع من، بل إنه لم یكن یعي أن ثمة حرباً قائمة.

فأجاب: «لا أذكر».
فقال أوبراین: «إن أوقیانیا في حالة حرب مع إیستاسیا، هل تذكر ذلك الآن؟ »
- نعم.
- لقد كانت أوقیانیا في حرب دائمة مع إیستاسیا، فمنذ بدایة حیاتك ومنذ نشأة الحزب ومنذ بدایة التاریخ وهذه الحرب مشتعلة دون توقف، إنها الحرب نفسها. فهل تذكر ذلك؟
- نعم.
- منذ أحد عشر عاماً ابتدعت یا ونستون خرافة عن ثلاثة رجال كانوا قد أدینوا بالموت جزاء خیانتهم، وزعمت أنك رأیت قصاصة من الورق تثبت براءتهم، إن مثل هذه القصاصة لم یكن لها وجود على لإطلاق، لقد اخترعتها ثم رحت تؤمن بها فیما بعد، هل تذكر اللحظة التي اخترعت فیها هذه الخرافة؟
- نعم.
- منذ فترة قصیرة رفعت یدي إلیك فرأیت خمس أصابع، هل تذكر ذلك؟
- نعم.

ورفع أوبراین أصابع كف یده الیسرى وقد أخفى الإبهام وسأله:

إنها خمس أصابع، هل ترى خمس أصابع؟
- نعم
ولقد رآها فعلاً خمساً ولكن للحظة عابرة قبل أن یتغیر المشهد أمام ذهنه. لقد رآها خمسة كاملة لا عیب ولا عاهة فیها، ثم لم یلبث أن عاد كل شيء طبیعیاً، وراحت تتداعى علیه من جدید مشاعر الخوف والكراهیة والحیرة. لكن لفترة لم یدرك مداها، لعلها كانت لحظات من الیقین المشرق كان فیها كل إیحاء جدید من إیحاءات أوبراین یملأ جزءاً من الفراغ الذي في رأسه ویصبح حقیقة مطلقة،

لحظات یمكن فیها أن یكون اثنان واثنان یساویان ثلاثة أو خمسة حسبما یتطلب الأمر. وما إن رفع أوبراین یده من فوق رأسه حتى انقشع عنه ذلك الكابوس. ورغم أنه لم یستطع أن یستعیده ثانیة، فقد ظل یذكره كما یذكر المرء واقعة حیة ألمت به .
منذ فترة بعیدة كان فیها شخصاً مختلفاً
وقال أوبراین: «لعلك ترى الآن أن ما حدثتك به ممكن».
فأجاب ونستون: «نعم».
نهض أوبراین وقد ارتسمت على وجهه علامات الرضا، وعن یساره رأى الرجل ذا المعطف الأبیض یكسر أنبوبة ثم یسحب بمحقنة ما بها من سائل. والتفت أوبراین إلى ونستون وعلى شفتیه ابتسامة وهو یعید تثبیت نظارته فوق أنفه جریا على عادته القدیمة وقال:
- هل تذكر ما دونته في مذكراتك من أنه لا یهمك أن أكون صدیقاً أو عدواً ما دمت على الأقل شخصاً یفهمك ویمكنك أن تتحدث إلیه؟

لقد كنت على صواب، إنني أجد متعة في الحدیث إلیك، إن عقلك یستهویني لأنه یشبه عقلي في كل شيء، عدا أنه مصاب بمس من الجنون. لكن قبل أن ننهي هذه الجلسة یمكنك إذا شئت أن تلقي علي بضعة أسئلة.
- أي سؤال أرید؟
- نعم أي سؤال. ولاحظ أوبراین أن عیني ونستون معلقتان بالقرص، فطمأنه أنه قد فصل عنه التیار وقال له: «هات سؤالك الأول».
فقال ونستون: «ماذا فعلتم بجولیا؟»
فابتسم أوبراین ثانیة ثم قال: «لقد خانتك یا ونستون بلا إبطاء أو تحفّظ. إنني لم أر في حیاتي، إلا نادراً، أحداً یثوب إلى رشده بمثل هذه السرعة، ولو أنك رأیتها الآن لما عرفتها بعد أن اجتثثنا كل ما علق بها من أدران التمرد والخداع والجهالة والمیول الجنسیة. لقد حدث لها تحول تام وأصبحت نموذجاً یحتذى ویدرس».
- هل عذبتموها؟
ولم یجب أوبراین عن هذا السؤال بل قال: «هات سؤالك الثاني».
- هل للأخ الكبیر وجود؟
- لا ریب أنه موجود وكذلك الحزب موجود، ففي الأخ الكبیر یتجسد الحزب.
- وهل هو موجود مثلي، كما أنا موجود وبالشكل ذاته؟
فأجابه أوبراین: «إنك غیر موجود».
ومرة ثانیة أحس ونستون بنوبة من العجز تجتاحه، فقد كان یعرف، أو یمكنه أن یتخیل، أن الحجج التي یُدفع بها للتدلیل على عدم وجوده هي مجرد هراء لا معنى له ولا تعدو أن تكون مجرد تلاعب بالكلمات. ألا تحتوي عبارة «أنك غیر موجود» على سخف منطقي؟ ولكن ما الجدوى من إن تقول ذلك؟ وارتعد عقله عندما فكر في الحجج الجنونیة القاطعة التي سیفحمه بها أوبراین.

وقال بإعیاء: «اعتقد أنني موجود، أنني أعي ذاتي، لقد ولدت وسوف أموت، ولي ذراعان وساقان وأشغل حیزاً في الفضاء ولا یستطیع جسم آخر أن یشغل الحیز نفسه في الوقت نفسه.

بهذا المعنى أسال:
- هل للأخ الكبیر وجود؟
- لیس لما تقول أي أهمیة، إنه موجود.
- وهل سیموت الأخ الكبیر في یوم من الأیام؟
- طبعاً لا، كیف یمكن أن یموت؟ هات سؤالك التالي.
- هل لحركة الأخوة وجود؟
- هذا ما لن تعرفه یا ونستون، ولئن رأینا أن یطلق سراحك بعد أن نفرغ من تطهیرك، ولئن امتد بك الأجل حتى تبلغ التسعین من العمر فلن تعلم ما إذا كان جواب سؤالك هذا نعم أو لا. وما دمت حیاً سیظل هذا السؤال هو اللغز المحیر الذي لن یجد عقلك حلاً له.
وخیم على ونستون الصمت لبعض الوقت، وراح صدره یعلو ویهبط بسرعة أكثر قلیلاً، ولم یكن قد سأل بعد السؤال الذي خطر بباله أولاً، وكان یشعر أن علیه أن یوجه هذا السؤال لكن لسانه لم یكن یطاوعه. أما أوبراین فقد ارتسمت على وجهه مسحة تهكم،

بل حتى نظارته أخذت تكتسي بالمسحة نفسها. وفجأة خطر لونستون أن أوبراین یدرك ما یدور بخلده ولا بد أنه على معرفة بالسؤال الذي یعتزم أن یسأله. ولم یكد ینتهي من هذه الفكرة حتى اندفعت الكلمات من بین شفتیه:
- ماذا یوجد في الغرفة 101؟
ولم یتغیر التعبیر المرتسم على وجه أوبراین وأجاب بجفاء:
- إنك تعرف ماذا یوجد في الغرفة 101 یا ونستون، بل إن كل شخص یعرف ماذا یوجد في هذه الغرفة.
وأشعار أوبراین بإصبعه إلى الرجل ذي المعطف الأبیض وبدا جلیاً لونستون أن الجلسة قد انتهت، وسرعان ما انغرست إبرة في ذراعه راح على إثرها في نوم عمیق.

قال أوبراین: «هنالك مراحل ثلاث لا بد أن تمر بها حتى تتم إعادة تأهیلك وخلقك من جدید وهي التعلم، ثم الفهم، ثم القبول. وقد آن أوان دخولك المرحلة الثانیة».
كان ونستون، كالعادة، ممددا على ظهره فوق السریر، وكانت الأربطة التي تشده إلیه قد باتت أقل استحكاماً، ومع أنها كانت لا تزال تشده إلى السریر إلا أنه أصبح في استطاعته أن یحرك ركبتیه قلیلاً، وأن یدیر رأسه من جانب إلى أخر، وأن یرفع ذراعیه حتى المرفقین. كما لم یعد القرص مدعاة للفزع لدیه، فقد بات بمقدوره أن یتجنب نوبات الألم التي یطلقها في جسده طالما كان سریع البدیهة، فغالباً كان أوبراین لا یسحب ذراع القرص إلا حینما یبدي ونستون حمقاً أو غباء. وفي بعض الأحیان كانت تنقضي جلسة بطولها لا یلجأ أوبراین فیها لاستخدام القرص. ولم یكن ونستون یتذكر عدد الجلسات التي خضع لها، بل إن العملیة برمتها بدت وكأنها قد امتدت وقتاً طویلاً لا حدود له،

ربما أسابیع، كما أن الفترات الفاصلة بین جلسة وأخرى كانت أحیاناً تمتد أسابیع وأحیاناً لا تتجاوز ساعة أو ساعتین.
وقال أوبراین: «لا بد أنك سألت نفسك، بل إنك قد سألتني بالفعل، وأنت ممدد فوق هذا السریر، عن السبب الذي یجعل وزارة الحب تهدر كل هذا الوقت وتتجشم هذه المشقة من أجلك، بل حتى عندما

كنت حراً طلیقاً كنت تقف أمام السؤال نفسه حائراً، فقد كان بوسعك أن تفهم آلیات المجتمع الذي تعیش فیه ولكنك عجزت عن إدراك الدوافع الكامنة التي تحركه. هل تذكر قولك في مذكراتك

«إنني أفهم كیف، لكنني لا أفهم لماذا؟» لقد بدأ الشك یتسرب إلى عقلك الحصیف عندما بدأت تفكر في «لماذا». ولقد قرأت كتاب غولدشتاین أو أجزاء منه على الأقل فهل وجدت فیه شیئاً لم تكن تعرفه بالفعل؟»
فسأله ونستون: «وهل قرأته أنت؟»
فأجاب أوبراین: «بل قل كتبته، أو حتى أكون أكثر دقة، لقد اشتركت في وضعه، فكما تعلم ما من أحد یؤلّف كتاباً بمفرده».

يتبع

اضف تعليقك (سجل دخولك للموقع اولاً)
loading...

قصص مقترحة لك